• ×

/ 22:00 , الإثنين 24 يونيو 2019

التعليقات ( 0 )

البشير في سوريا.. التفكير خارج الصندوق!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 .

والساعة تشير الى الثامنة وخمس دقائق امس الأول، انسابت الى هاتفي رسالة نصية تفيد بوجود تصريحات صحفية في المطار عن زيارة سرية ناجحة لرئيس الجمهورية. ذات الرسالة أشعلت المشهد العام في البلاد، التكتم الشديد لتفاصيل الرحلة غير المعلنة ووجهتها جعل القنوات والفضائيات والمنابر الأسفيرية تتبارى في القراءات التحليلية التي في خاتمة المطاف لم تشف عقول وظمأ الطامعين في معرفة الوجهة الذي زارها رئيس الجمهورية، حيث رافقه وفد رفيع ضم وزير رئاسة الجمهورية فضل عبد الله فضل ووزير الدولة بالخارجية اسامة فيصل وسفير السودان بسوريا خالد أحمد محمد علي.
التنبؤات والشائعات
حسناً.. قبل هبوط طائرة البشير في الحادية عشرة مساءً فجرت وكالة الانباء السورية مفاجأة من العيار الثقيل وهي تفصح عن تفاصيل زيارة استثنائية لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير لسوريا، وكان في استقباله الرئيس بشار الاسد في مفاجأة اشعلت المشهد السياسي الداخلي والاقليمي والعالمي، اذ ان الزيارة تعد بمثابة فتح سياسي جديد.
وامتلأت الصالة المخصصة للصحافيين بالمطار بوسائط الاعلام المختلفة منذ الثامنة والنصف مساءً، الهمهمات كانت بائنة بين الحين والآخر والكل يريد أن يعرف من اية دولة سيعود قادماً الرئيس، فيما انبرى الكثيرون واكتست لغتهم بثوب التحليل السياسي، حيث انتشرت تسريبات خاصة في الاسافير من شاكلة ان الرئيس قادم من دولة عربية شقيقة، وآخرون توقعوا ان تكون الوجهة الخليج، فيما كان آخرون أكثر جرأةً في التوقعات وهم يشيرون الى ان الرئيس ربما سيعود قادماً من الدوحة.. وحرب الشائعات ظلت تتمدد كلما مرت الدقائق.. التاسعة كان الموعد المضروب لهبوط الطائرة الرئاسية، ولكن الزمن تجاوز ذلك بكثير حتى الحادية عشرة، حينما هبط الرئيس بمطار الخرطوم، ولكن في ذلك الزمن كان زحام التوقعات قد تبدد، لجهة ان الوكالة السورية الرسمية اعلنت عن زيارة البشير لسوريا التي قطعاً احدثت مفاجأة من العيار الثقيل جداً.
اجتماع مغلق
اختتم الرئيس البشير زيارته مساء امس الاول، وبحسب الخبر الصادر عن القصر الجمهوري فإن الرئيس قد عقد خلال الزيارة اجتماعاً مغلقاً مع الرئيس بشار الأسد ومباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين. وأكد الرئيسان ان الظروف والأزمات التي تمر بها العديد من الدول العربية تتطلب إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مما سيقود لتحسين العلاقات العربية لخدمة مصلحة الشعب العربي.
وأوضح الرئيسان البشير والأسد ان التطورات في المنطقة خاصة في الدول العربية، تؤكد ضرورة استثمار كل الطاقات والجهود خدمة للقضايا العربية وتصدياً للمخططات التي تتعارض مع مصالح دول المنطقة وشعوبها.
وقال رئيس الجمهورية ان سوريا دولة مواجهة وان إضعافها اضعاف للقضايا العربية، مشدداً على حرص السودان على استقرار سوريا وأمنها ووحدة أراضيها بقيادتها الشرعية والحوار السلمي بين كافة مكونات شعبها والحكومة الشرعية، وابان الرئيس البشير ان السودان سيستمر في بذل الجهود حتى تستعيد سوريا عافيتها وتعود لحضن الأمة العربية.
ومن جانبه اعرب الرئيس الأسد عن شكره للسيد رئيس الجمهورية على زيارته، وأكد انها تشكل دفعة قوية لتفعيل العلاقات بين البلدين، وقال الرئيس الأسد إن بلاده ظلت مؤمنة بالعروبة ومتمسكة بها، مشيراً إلى أن تعويل البعض على الغرب لن يعود بالمنفعة على شعوبهم.
وفور وصولهم مطار الخرطوم قال وزير الدولة بالخارجية اسامة فيصل في تصريحات مقتضبة ان الرئيس البشير ونظيره السوري بشار قد اتفقا على أن الوضع الراهن للمشهد العربي يتطلب ايجاد مقاربات جديدة للعمل العربي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
موقف مشرف
المحلل السياسي ربيع عبد العاطي يرى ان الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية لدولة سوريا قد وضعت السودان في موقف مشرف بأنه حر في ارادته وانه لا يتمحور حول اي محور، وانما يعبر عن ارادته ومواقفه، وان السودان يتبنى موقفاً ينسجم مع مواقفه في افريقيا باقرار السلام والمصالحات والاستقرار في العالم العربي، وبالتالي فإن زيارة دمشق تعبر عن ان الخرطوم ظلت تقدم مواقف معتدلة، وان مثل هذه المواقف ستلعب دوراً كبيراً في استقرار المنطقة وتحجيم العلاقات بين الدول العربية والاسلامية وتنقية الاجواء وهذا هو المطلوب، ويشير عبد العاطي الى ان الزيارة لن تضر بمصالح السودان وانما تذهب في اتجاه تطييب الخواطر واجراء المصالحات وتنقية الاجواء وتجنب الفتن، كما انها تسهم ايضاً في تعزيز العلاقات مع المجتمع الدولي وتأتي في اتجاه رعاية مصالح السودان التي تنسجم مع استقرار المنطقة العربية، خاصة في ظل هذه التوترات ورياح السياسة المتحركة والتحركات الدولية الواسعة النطاق، وبالتالي فإن الخرطوم ترمي بهذا السهم في محيط متلاطم، واعتقد انه تفرد بهذا الموقف، وواضح جداً انه موقف سوداني خالص، وقد قوبل بارتياح شعبي واسع، بالاضافة الى ان الموقف كذلك اوضح أن البلاد بعيدة عن اية تأثيرات دولية في اتخاذ قراراتها او اجندات لا صلة لها بها.
إدماج سوريا
والزيارة تعد بمثابة بداية حقيقية فيما يبدو لدمج سوريا في المحيط الاقليمي بعد العزلة التي فرضت عليها بفعل الحرب الاهلية لفترة (8) اعوام، كما ان البشير اول رئيس عربي يزور الدولة منذ الثورة السورية التي مازالت مستمرة بين الاسد ومعارضيه، كما انها توجه جديد سيربك كل التحالفات بالمنطقة، غير انها ايضاً تصب في مصلحة تعزيز التعاون المشترك بين الخرطوم وموسكو.
والعلاقة بين الخرطوم ودمشق لم تنقطع، حيث ظل السودان وعمان الدولتين الوحيدتين اللتين لم تغلقا سفارتيهما في سوريا، وهو الأمر الذي لم يجعل العلاقات بين الخرطوم ودمشق تأخذ منحى سلبياً حيال علاقاتهما بالدول العربية الاخرى، فضلاً عن ان السودان ظل يجاهر دوماً بضرورة ايقاف الحرب في سوريا والجنوح نحو الحلول السياسية التي تسهم في استقرار سوريا، وهناك نقطة اخرى مهمة ينبغي الاشارة اليها، وهي أن السودان الدولة الوحيدة التي استقبلت اعداداً كبيرة من السوريين الفارين من جحيم الحرب هنالك.
ما بعد الزيارة
رئيس القطاع الاعلامي للحزب الحاكم المؤتمر الوطني ابراهيم الصديق، يرى ان هذه الزيارة سيكون لها ما بعدها من تأثير سياسي إقليميا ودوليا، واشار الى ان سوريا طيلة الأعوام الماضية كانت مركزاً للرهانات والمواقف الدولية، فهنا مركز المواقف الروسية والأمريكية، وخط المواجهة العربية الإسرائيلية ونقطة في الأوراق العربية مع إيران، وقد زهد الجميع في المواجهة والحرب، وهذه لحظة التغيير في المشهد، والمنتظر التفاتة لتحديد شكل المرحلة القادمة.
وبحسب رئيس قطاع الإعلام في حديثه لــ (الإنتباهة) فإن السودان احدى دول قليلة في عالمنا العربي لم تقطع علاقاتها مع سوريا، ولديها رؤية استراتيجية لإحداث اختراق جديد يزيل جدر الجفوة وإعادة بناء (اللحمة) العربية، وتابع قائلاً: (تلك في رأي منطلقات زيارة السيد رئيس الجمهورية إلى سوريا، فنحن كأمة عربية بحاجة لتأسيس مصالحة عربية شاملة، تشمل إزالة كل احتقان وخلاف)، ويستشهد د. إبراهيم بإسهامات البلاد في نشر ثقافة السلام، حيث قال ان السودان كانت له مساهمة فاعلة في القارة الإفريقية، حين قاد الرئيس البشير مصالحة الأطراف في جنوب السودان وانتهت إلى سلام وأمن في الإقليم، وهناك جهود في إفريقيا الوسطى، وغيرها من الأدوار التي تنتظر مساهمات القادة.
وقال د. ابراهيم إن مصالح الدول لا تبنى على التجزئة زماناً أو مكاناً، وإنما الكليات التي تعبر عن شمول الرؤية، فالوحدة العربية أفضل للعرب من الخلاف، والتضامن الإفريقي أعلى مردوداً من الاحتراب، مشيراً الى ان الزيارة قد أحدثت اختراقاً في الموقف وتأكيداً على مبدأ المواجهة.
ويرى مراقبون أن المشهد الحالي ان زيارة البشير كانت بمثابة تأكيد واضح بأن الخرطوم باستطاعتها ان تنقل تجربتها بإحلال السلام في المحيط الاقليمي الى المنطقة العربية التي عزلت سوريا من محيطها منذ اندلاع الأزمة السورية، وذلك بدمجها، بحيث أن زيارة البشير قطعاً سيكون لها تأثير عربي كبير، وستسهم في إرجاع الصورة الى الصورة الاقليمية بعد سنوات من الغياب، وذلك بالطرق على ضرورة إحلال السلام بالدولة الشامية عبر الأطر السياسية، كما انها ايضاً تؤكد بجلاء أن الخرطوم مستقلة بسيادتها وليست حبيسة لأية تأثيرات خارجية.

محمد جمال قندول
الانتباهة
بواسطة : seham
 0  0  119
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 22:00 الإثنين 24 يونيو 2019.