• ×

/ 06:36 , الإثنين 18 فبراير 2019

التعليقات ( 0 )

التسامح والتعارف والعلاقات بين الأديان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يؤمن البابا فرانسيس بجدية وجدوى العلاقات الحسنة والتشاورية والحوارية بين الهيئات والمؤسسات الدينية، ومع المنظمات الدولية، وقادة الدول. وقد عَلَّل ذلك بستة أمور: الأول: الخروج من النزاعات الدينية والسياسية التاريخية، التي سببتْها ظروف سياسية واستراتيجية وأُحيلت على الدين، وينبغي تطهير الذاكرة منها.

والأمر الثاني مواجهة نوافر وتنافُسات وظواهر "عودة الدين" والتي عنت ثوراناً في كل الديانات وإنْ تفاوتت درجاته مثلما حصل لدى البروتستانت والمسلمين واليهود والهندوس والبوذيين. فتيارات التشدد التي ظهرت تقتضي من المسؤولين الدينيين التحدث إلى ممثلي الـ Main Stream أو التيار الرئيسي في كل دين، من أجل تحديد القواسم المشتركة والتي تُمكِّنُ من مواجهة التطرف العنيف ومحاورة غير العنيف واستيعابه.

والأمر الثالث: ينبغي أن يكون مسعى القواسم المشتركة، ناجماً عن اقتناعٍ عميقٍ بوجود الأخلاق الكونية أو العالمية، وهي الاُطروحة التي دعا إليها اللاهوتي الكاثوليكي هانز كنيغ Küng في مطلع التسعينات من القرن الماضي في ثُلاثيته المشهورة: لا سلام في العالم إلاّ بالسلام بين الديانات الكبرى، ولا سلام بين الديانات الكبرى إلاّ من خلال الحوار.

ولا حوار إلاّ على أساس الاقتناع بوجود ثوابت وقيم أخلاقية كبرى وجامعة في الأديان. والأمر الرابع: ضرورة كسْب الشباب والنساء، وكل الفئات التي تشعر بالتمييز وبينهم المتشددون، لكي يصبح الحوار والتشاور مسؤوليةً عالميةً وشاملةً ولا تُقصي أحداً.

والأمر الخامس: ضرورة الدخول على المجتمع المدني العالمي، وعلى مفوضيات الأُمم المتحدة العاملة، لكي تلتقي الجهود ولا تتناقض في ملفات مثل الجوع والفقر واللجوء وإفساد البيئة والأمراض والأوبئة السارية.

والأمر السادس الذي يكون الحوار من أجله ضرورةً إنسانيةً واستراتيجية، هو التأثير على القادة السياسيين في مجال صَون الحريات الأساسية، وحقّ الإنسان في الكرامة والحياة الكريمة والمواطنة والمشاركة.

وإذا كانت هذه النواحي الست هي الضروروات التي تقود لاختيار الحوار والتشاور؛ فإنّ قيمة التسامح في نظر البابا هي التي تفيد في مجال الانطلاق. لقد كان التسامح مفيداً جداً في القرون الماضية، لأنه القيمة التي تؤدي إلى احترام الذات والذوات الأُخرى، إما لتشارُكِ الجميع في اكشتاف الحقيقة والخلاص، أو لاقتناع الأطراف الرئيسية أنها لا تحتكر الحقيقة الإلهية والإنسانية.

وقد دعمت الفلسفة بعد الحرب الثانية مقولة التسامح التي تشجع على الحوار عندما دخلت على خطّ الاعتراف بعقائد الآخر وشحصيته وإنسانيته. وبذلك اتخذ التسامُحُ بُعداً جديداً هو بُعْدُ عدم التمييز، فيصبحُ التداوُلُ والتشاوُرُ على قدم المساواة في القيمة الإنسانية، وحقوق الخصوصية للفرد الإنساني. ويشكّل ذلك تحدياً لاحتكار الثقافة الغربية لمعنى الحضارة والتمدن، وتحدياً لانفراد الجهات الدينية أو الدولة القومية بتحديد ما هو الصحيح في الدين أو السياسة.

لقد دخل المسلمون على ملفات الحوار والأخلاق العالمية والتسامح مع الكنائس الكبرى وفي طليعتها الفاتيكان في ثمانينات القرن الماضي من خلال مقاصد الشريعة وضرورياتها الخمس، ومن خلال حوار القيم والأخلاق في الحرية والعدالة والسلام. بيد أنّ التسعينات وما بعدها كانت عقود حروبٍ وخرابٍ وتطرفٍ وعنف، حتى بدا من خلال أُطروحات هنتنغتون وفوكاياما، ومن خلال تصرفات القاعدة فداعش، كأنما هو صراعٌ بين الإسلام والعالم. ولذلك ومع مجيء البابا فرانسيس حاملاً أطروحة الإصلاح الداخلي في الكنيسة سبيلاً لاستعادة الزمام في المجال العالمين وزار عدة بلدانٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ أهمُّها مصر والأزهر؛ فإنه لقي استجابةً فوريةً من جانب العرب والمسلمين. وبعد عام السلام 2015، جاء عام الرحمة 2016، وجاءت رسالته في حقوق الجوار والضيافة واللجوء عام 2018.

وفي كل هذه المراحل والمحطات كان الإسلام، وكان المسلمون حاضرين في فكر البابا وعمله وزياراته واستقبالاته للزعماء الدينيين العرب والمسلمين. كان البابا وما يزال يدرك التحديات التي تواجه المسلمين، ويدرك مخاطر عزلهم أوشيطنتهم على سلام العالم وأمنه، ولذلك خالف الكثيرين في اندفاعه نحو المسلمين، واحتضانه حتى لقضايا اللجوء والمهجرين؛ مع أنّ نصف الحكومات الأوروبية ومنها حكومة إيطاليا صارت مُعاديةً للمهاجرين.

بيد أنّ كبار القادة العرب والمسلمين، وكبار علماء الدين، والذين استجابوا للبابا ولمجلس الكنائس العالمي، كانوا يعرفون أيضاً المشكلات الكبرى التي تواجه الاعتدال الإسلامي في البلاد العربية والإسلامية وفي العالم. ولذلك، ومنذ العام 2010، صارت هناك مؤتمرات وبرامج لمواجهة التطرف والإرهاب، وللتواصل مع المسيحيين العرب وعقد المؤتمرات معهم، والمضي في الوقت نفسه إلى عالم الديانات الكبرى خارج العالم الإسلامي. وقد جمعْتُ المتغيرات التي تحتاج إليها المؤسسات الدينية في مصطلحين: التأهُّل والتأهيل. التأهل بتغيير البنى والأفكار، واكتساب المعرفة الأعمق عن العصر والعالم والعولمة ووسائل الاتصال وتأثيراتها على الشاب. والتأهيل باجتراح خطاب جديد في أَوساط المسلمين يتناول تحديد صحيح الدين، كما يتناول العلاقات مع العالم أو مع الآخر الداخلي والعالمي.

وقد كان من دعائم هذا الخطاب التركيز على قضايا المواطنة ومهامّ الدولة الوطنية، واعتبار كتاب المدينة وتجربتها نموذجاً للدولة الدستورية، دولة المواطنة والتعددية. وعندما انطلق مجلس الحكماء، ومنتدى تعزيز السلم، للعمل في قضايا وحقوق غير المسلمين، أو في السلام مع العالم؛ اتّسع الأُفُقُ للتسامح والاعتراف، وجرى المُضِيُّ قُدُما باتجاه المعروف والتعارف اللذين نصَّ عليهما القرآن.

تتضمن حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة وزارتين للسعادة والتسامح. والتسامُحُ كما هو مطلبٌ عالمي، هو مطلبٌ إماراتي، ففي الدولة ما يزيد على مائتي جنسية، ويتبع أفراد تلك الجنسيات العشرات من الأديان والثقافات. والتعارُفُ ضروريٌّ للسلام والاستقرار والعيش المشترك بين الناس. وقد عرفنا أنّ في الإمارات عشرات المعابد لأهل الديانات الأُخرى. كما أصدرت الدولة من ثلاث سنوات قانوناً لمكافحة التمييز والكراهية الدينية. كما أنّ الأجهزة الأمنية أعلنت عن لائحةٍ للتنيظمات والجمعيات المتطرفة في العالم. وذلك لتأمين الناس، وتنبيه المجتمع الدولي إلى مخاطر ترك تلك الجمعيات فتصرف وتعمل على التحريض على الكراهية والعنف، أو على تحويل الإرهاب. وقد احتضنت الدولة ومختلف وزاراتها عشرات المؤتمرات للتسامح والسلام. ودولة الإمارات ومؤسساتها العاملة من أكبر الداعمين لمفوضيات الأمم المتحدة، و للجهود ضد الفقر والمرض وفساد البيئة.

أما وزارة السعادة فلها مفهومٌ فلسفيٌّ خاص. ففي الفلسفة الكلاسيكية، والفلسفة الإسلامية، فإنّ غاية النظام السياسي تحقيق السعادة. وهذا الأمر يقتضي إقامة مجتمع الخير. ولذلك فقد اعتبر البعض أن الدولة الفاضلة أو المدينة الفاضلة هي يوتوبيا. ودعم فيلسوف السياسة والقانون جون رولز صاحب "نطرية العدالة" (1971) هذا الاعتقاد بالذهاب إلى أن المجتمع الفاضل أو مجتمع الخير ليس من عمل الدولة، بل عمل الدولة هو تحقيق العدل السياسي والقضائي، في حين يكون إحقاق مجتمع الخير من شأن الهيئات الدينية، وجمعيات المجتمع المدني الوطني والعالمي. وقد جادل كثيرون في هذا الأمر ونفوا أن يكون يوتوبيا لا تتحقق؛ وذلك لأنّ الخير والعدل هناك علاقةٌ وثيقةٌ بينهما، وفي دولة المشاركة فإنّ الأمرين أو القيمتين تتحققان؛ وهذا مطمح دولة الإمارات العربية المتحدة.

يأتي البابا فرانسيس إلى دولة الإمارات العربية برسائله وأعماله من أجل العدالة والسلام ومكافحة الفقر وتدمير البيئة والفساد الذي تنشره وسائل التواصل، وصداقته للمسلمين وحبه لهم، وأمله أن يشاركوا في تقدم العالم وسلامه وأمنه بالانضباط الأخلاقي الذي يمتلكونه، والتعارف الذي يدعوهم إليه دينهم.

ويجد البابا في دولة الإمارات هذه المساحة الشاسعة من السلام والأمن والعيش المشترك بين أهل الديانات والثقافات، كما يجد العدل والرحمة والسعادة، ويجد أنّ الدولة الميمونة أعلنت عن العالم 2019 باعتباره عاماً للتسامح؛ في حين كان العام 2018 عامَ مئوية الشيخ زايد مؤسس الدولة الاتحادية، ورائد هذا الروح للخير والحضارة والسلام وإنسانية الإنسان.

بواسطة : رضوان السيد
 0  0  29
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 06:36 الإثنين 18 فبراير 2019.