• ×

/ 18:58 , الأربعاء 12 ديسمبر 2018

التعليقات ( 0 )

بهداوة .. يكون مات !!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تقول الطرفة أن عدداً من اهالى احدى القرى على النيل كانوا متجمعين على ضفة النيل يبحثون عن جثمان غريق لهم فمر عليهم عابر سبيل فسألهم وهم على هذه الحالة من الحزن والوجوم والاسى فسألهم عن سبب تجمعهم وعن ماذا يبحثون فرد عليه احدهم قائلاً (عندنا ولدنا غرق ليهو تلاتة ايام) فرد عليه الرجل عابر السبيل بحماس من وجد الحل قائلاً (يكون مات !!!) .
تذكرت هذه الطرفة وأنا اطالع خبراً بإحدى صحف الخرطوم امس الجمعة خاص ببيان وزير المالية امام البرلمان عن الوضع الاقتصادى بالبلاد ، حيث نقلت الصحيفة عن وزير المالية والتخطيط الاقتصادى دكتور محمد عثمان الركابى قوله بعد ان أقر بالفشل فى معالجة الاوضاع الاقتصادية (الاقتصاد يعانى من مشكلة !!) . وهو رد يماثل رد ذلك الرجل عابر السبيل (يكون مات) .
فالوزير وبعد تقادم كل تلك الفترة على الازمة الاقتصادية التى ظلت ضاربة بأطنابها فى طول البلاد وعرضها و بمظاهرها المختلفة الظاهرة للعيان من شح فى الوقود والسيولة وغلاء الاسعار يقرر اخيراً ان (الاقتصاد يعانى من مشكلة) ، وكأن الجدال كان يدور حول هل يعانى الاقتصاد من مشكة أم لا !!
ووفقاً لما نقلته الصحف عن الوزير قوله تعليقاً على المشكلة الاقتصادية (أى زول بقول يقدر يحلها دا بغش الناس وغير امين) .وإن كان من حمد وثناء يوجه لوزير الماليه فهو على قوله هذا وشفافيته رغم ان هذا الاقرار الصريح قاسى و (مُر) إلا انه يشكر عليه من باب ان الصدق منجاة وأن الغش مهلكة ، وتضليل يجعل الناس ينتظرون فرجاً لن يأتى ويسرفون فى بذل الامل لانفراجة هى الى السراب اقرب منها الى الواقع .
يشكر الوزير على صراحته وعلى هذه القاعدة الذهبية التى وضعها اساساً لتوصيف الوضع الاقتصادى الحالى بأنه ليس هناك من يستطيع حل المشكلة الاقتصادية وان من يدعى ذلك فهو (غشاش) و غير امين ، ولا ندرى هل السيد الوزير داخل ضمن هذا التعميم المغلظ الذى اطلقه بعجز (أى زول) عن حل المشكلة الاقتصادية أم أنه إستثناء عن هذا التعميم ، فإذا كان يدخل ضمن هؤلاء فالسؤال الذى يطرح نفسه تلقائياً هو (إذن لماذا البقاء على سدة الوزارة ؟) ، أما اذا كان إستثناءاً على هذا التعميم فليتحفنا بالحل عاجلاً وليضرب بعصاه صخرة الاقتصاد لتتفجر منها ينابيع الخير والوفرة وياتينا الفرج على يديه اليوم قبل الغد !
ولفت انتباهى فى حديث الوزير الطويل الى البرلمان قوله (الحكومة تسعى بكل جد لايجاد تمويل عشان ما تفتكروا نحنا قاعدين نايمين ومرتاحين وما بنتخذ إلا القرارات البتعذب المواطن ، لكن ما فى صبر لا فى البرلمان ولا الحكومة ولا الاحزاب أو الشارع) .
وربما صدق الوزير بالنسبة لنفاد الصبر لدى البرلمان والحكومة والاحزاب ، ولكن بالنسبة للشارع فإن الوزير لم يكن محقاً فى وصفه للشارع وهو يعنى المواطنين فالمواطنين ضربوا اروع الامثلة فى الصبر والتصبر ومحاولة التكيف مع قسوة الظروف والحالة الصعبة ، فكيف يكون المواطنين (ما عندهم صبر) وهم يصطفون وقوفاً تحت هجير الشمس ولهيب الحر وهم صائمون امام بعض الصرافات العاملة وهى قليلة جداً ليصرفوا جنيهات معدودة من رواتبهم وارصدتهم لدى البنوك دون تذمر أو تفلت ! .
قصدت قبل يومين فرعاً من الفروع الكثيرة لأحد البنوك الكبيرة ذات الصوت الدعائى العالى فى الاعلام لسحب ما تيسر من مال منها لم يتعدى البضع فى العدد ولما جاء دورى قال لى الصراف ان المبلغ كبير يقتضى التصديق به من مشرفة الفرع فذهبت اليها وانا أتأرجح ما بين الخوف والرجاء ، فلما مثلت امامها وقد كانت منشغلة بكومة اوراق امامها وهى تجتهد فى تفحصها ، رفعت عيناها ورمقتنى بنظرة انفطر لها قلبى لكنى مضيت متماسكاً اشرح مبررى لسحب مبلغ اكبر من المسموح به فلم تدعنى اكمل وقد فهمت قصدى واجابتنى بحدة (ما بنقدر نديك غير ألف واحد بس) حاولت تقديم مزيد من الشرح لكنها صدتنى بجفاء (كلامى واضح ألف واحد بس يا استاذ) ثم إنكبت على كومة الورق التى امامها ، وللوهلة الاولى إنتابنى شعور بأنى لست فى بنك أودعته حر مالى طوعاً لا كرهاً وإنما انا فى مؤسسة خيرية تعطى الصدقات والمساعدات وأنا (سائل) جئت أتكفف وألتمس الصدقة منها فعدت خائباً وقد تبدد الرجاء وصرفت (المقرر) وجال فى خاطرى المثل الانجليزى Beggars must not be choosers ومعناه أن السائل او المتسول ليس له الخيرة من امره ولا يستطيع تحديد ما يريده فهو يقبل بما يُعطيه له المتصدق او المانح دون نقاش .

بواسطة : الركابى حسن يعقوب
 0  0  128
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 18:58 الأربعاء 12 ديسمبر 2018.