• ×

/ 06:18 , الأربعاء 19 ديسمبر 2018

التعليقات ( 0 )

نار ونور.... رجل الدولة والشخص المؤثر (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن المجتمعات والدول التى ذاع صيتها ، وإنتشر خبرها فى فجاج الأرض ، وناطح تميزها عنان السماء فأصبحت للأجيال أنموذجاً إطلعوا عليه فى كتب قيمة سجلها العلماء والمؤرخون ، وما زالت المكتبات ودور النشر تطبع منها لتظل زاداً وثماراً لا يستغنى عنها مستغن ، ولا طالب علمٍ ، أو أولئك الذين يقفون بتؤدة وعمق لمعرفة منارات التاريخ .
والدول العظيمة ، لا يبنيها إلا العظماء ، الذين إذا إستمعت إلى توجهاتهم زادك الله معرفة ، وكانت طاعتك لهم تأتى بتلقائية ، وهى تحمل صفة الإلزام الأخلاقى فى داخلها ، خاصة إذا كانت القدوة لمن ساهم فى بناء تلك الدولة هى التى تدفعه نحو إصدار التوجية وتسويد الأوراق بالقرارات .
والمجتمعات ، هى كذلك ، لا ترتفع راياتها ، وتسمو غاياتها ، إلا بقيادات إجتماعية ، ورموزٍ فكرية لها القدرة على صياغة الإنسان بالكلمة الحية التى يتصف قائلها بالحكمة ، ويحظى بالتقدير ، والإحترام ، فإذا ظهر فى وسيط إعلامى ، أنصت له السامعون ، وتابعه المشاهدون ، وحذا حذوه الذين فعلت كلماته فيهم فعل السحر ، وكم يخسر المجتمع إذا فقد رموزاً ، أو إنتحى مفكروه جانباً ، تاركين الواجهة لمن لا يستمع لهم ، أو ينتبه لما يقولون مجرد الإنتباه .
ويذكر التاريخ علماء ، ومفكرين وفقهاء ، ظلت أسماؤهم باقية فى ذاكرة القلب ، والعقل ، والوجدان كلما أطلع أحدٌ على ما أنتجوه فى حقل العلوم فيشعر بأن أولئك الرجال ، ما كانوا حديثاً يفترى ، ولا فتوناً يتردد ، بل هم أعظم ثلة ظهرت فى دنيا العقيدة والإيمان .
والمجتمع عندما يسمو بأخلاقه ، ويصعد بسلوك أفراده ، فإن ذلك الملمح يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن وراء ذلك الإرتفاع أفذاذٌ من الأفذاذ ، ورجالٌ أميز الذى يتصفون به ، هو أنهم قيادات قدمها المجتمع ، ولم تفرض نفسها عليه إذ لا مجتمع بلا قيادة ، وتلك هى الرمزية التى لاغنى عنها بحسب أن النّاس لا يخضعون إلا لمن أرسى فكره ، وطبع بصمته ، وما كان من بّد إلا ، وأن نطلق عليه بأنه رمزٌ من الرموز .
والشخصية المؤثرة فى حياة النّاس ، يتخذها الأفراد مثالاً يحتذى به ، وشارة تنير الطريق لمن يود الهُدى ، ومنبع للحكمة ترشد من ضلّ ، وكان يبحث عمن به يتم الإقتداء .
والقيادة فى الدولة ليست أمراً ميسوراً ، فهناك من كان عليه شبه إجماع بأنه رجل دولة من الطراز الأول ، وبالمثل يكون ذات الإجماع كلياً ، أو جزئياً على آخرين لا يصلحون لقيادة قطيع من الأبقار والأغنام ، فتصبح سيرتهم مثاراً للسخرية ، حيث تستبدل الطاعة لهم بالإستهزاء ، والإستماع إليهم بإغلاق ما ظهر عليه بأى وسيط آخر سواء عبر الإذاعة ، أو التلفاز .
وتكسب الدولة ، وتجني ربحاً عظيماً ، كما يكسب المجتمع عندما يتصدى للقيادة من عرفوا مهاراتها وإستوعبوا مطلوباتها ، وتوجهوا نحو الشريحة التى تعينهم ، وتجعل من قياداتهم مؤثرة وفاعلة ، وليست قيادة هلامية تجلس فى برج عاجي ، بينما الذين يفترض أن يمثلوا القاعدة ، فى وادٍ والقيادة فى وادٍ آخر حيث لا سمع ، ولا طاعة ، ولا يحزنون .
والقيادات الفذة سواء كانت مجتمعية ، أم تلك التى تدير حركة الدولة وإتجاهاتها ، وسياسات شأنها فمن أخص خصائصها ، ألا تكون بعيدة عن الواقع ، ولا مثالية فى التفكير بحيث لا تؤذن فى مالطا .
وأفضل فعالية لمثل تلك القيادات ، ألا تشرح لك شرحاً نظرياً ، كيف يكون الأداء والإنجاز ، أو تفسر لك كلمات على الهواء ، ولكن أن تريك عياناً بياناً كيف أنجز العمل ، وكيف أثمرت الشجرة ، وكيف نجح الذى إجتهد فكان له من إجتهاده النصيب الأوفى ، مما لا يخفى على من أراد المشاهدة ، أو الإطلاع على ما كان إنجازاً ملموساً وليس كأضغاث الأحلام .

بواسطة : د.ربيع عبدالعاطى عبيد
 0  0  100
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 06:18 الأربعاء 19 ديسمبر 2018.