• ×

/ 05:32 , الجمعة 28 يوليو 2017

مقالات الاستخباريين (۲ ــ ۲)

الصحف الصّحافة
التاريخ 06-06-2017
رقم الموضوع 9
التفاصيل
كتب:مصطفي عبدالعزيز البطل
(۱)
نستأنف عرضنا للوثائق الامريكية التي أبرزها الاستاذ محمد على محمد صالح كبير مراسلي (الشرق الاوسط) في واشنطن بعد الافراج عنها وفقا لقانون حرية المعلومات لسنة 1966.
وهناك سلسلة من الوثائق تقدم نبذات موجزة عن الشخصيات التي وقع عليها الاختيار لتولي مناصب وزارية في حكومة الازهري الاولي، لا يستثني من ذلك الازهري نفسه الذي سلقه التقرير بألسنة حداد بناء علي معلومات منسوبة الي عناصر من الادارة البريطانية نعتته بأنه شخصية غوغائية تهييجية.
(۲)
وقد شد انتباهي ما ورد في احد التقارير عن شخصية السياسي يحي الفضلي فقد قال التقرير انه (يتمتع بشعبية عالية وان عنده مؤيدين كثيرين) الا انه (لا يتمتع باحترام قادة الحزب لانهم يرونه فاسدا). ويضيف كاتب التقرير بأن البريطانيين قالوا له: (ان الفضلي يشكل خطرا اكبر علي منافسيه داخل الحزب الاتحادي وهو خارج الوزارة بسبب شعبيته، لذلك ربما كان من الافضل لهم ان يدخلوه الوزارة ليشغلوه بها). ولكنه يعود في فقرة اخري ليقول: ( ان كل الاطراف عارضت ترشيح يحي لمنصب وزير الداخلية لانه غير أمين ). وبديهي ان ورود مثل هذه المعلومات و التحليلات علي ألسنة و تقارير الامريكيين لا يجعل منها اكثر من مادة مبذولة للتقويم الموضوعي بوساطة المؤرخين والمختصين.
وقد تبادرت الي ذهني و انا اقرأ تلك الاجزاء عن يحي الفضلي بعض معالم من شخصية احمد سليمان القيادي الشيوعي الذي تحول الي المعسكر الاسلامي. فقد لمحت تشابها بين تقويم التقرير الامريكي المبني علي مدخلات بريطانية لشخصية يحي الفضلي وبين تحليل لشخصية احمد سليمان نشرته عام 1993 صحيفة (ظلال) منسوبا الي الاستاذة سعاد ابراهيم احمد، احدي القيادات التاريخية اللحزب الشيوعي السوداني، فقد استفدت من تحليل سعاد ان احمد كان يتمتع بدوره بشعبية واسعة غير ان القائد الاسطوري عبدالخالق محجوب و بعض زملاء احمد من ذوي الوزن المقدر في قيادة الحزب ما كانوا يكنون له احتراما كبيرا. ولعل في ذلك ما يفسر ما ذكرته سعاد ان احمد لم يغفر لعبد الخالق قط انه حال بينه و بين اكتساب عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي طيلة حياته مما أذل كبرياءه و كسر شوكته.
(۳)
ومن الوثائق التي فتحت امامي مجالا للتفكير ذلك التقرير الذي كتبه احد ضباط الارتباط عن شخصية حماد توفيق الذي تولي وزارة المالية فقد ورد عنه انه (يؤيد وحدة مصر والسودان علي ان يتمتع السودان بحق الحكم الذاتي). وكان قد استقر في ذهني ان لفظتي ( الاتحاد ) و ( الوحدة ) رغم اختلافهما من حيث المحتوي القانوني في الفقه الدستوري المعاصر الا انهما علي عهد سودان الخمسينات كانتا تشيران الي معني واحد وهو الانخراط مع مصر في دولة واحدة موحدة تحت ظل التاج المصري. و لم اكن علي علم بأن فكرة الاتحاد مع مصر مع منح السودان حكما ذاتيا اقليميا كانت من ضمن البدائل المطروحة علي بساط البحث.
ولكن دعني اعود بك الي حماد توفيق و تقارير الاستخباريين عنه فقد استغربت من عبارة وردت يقول فيها الكاتب: (ان حماد يعاني من ضعف في النظر و يرتدي نظارة طبية) اذ عجزت تماما عن ادراك وجه الاهمية في مسألة ضعف نظر حماد وارتدائه نظارة طبية وجدوي تضمين ذلك في تقرير رسمي وارساله عبر بحر الظلمات الي النصف الاخر من الكرة الارضية!
و لكن التقرير يظهر الرجل في ضوء حسن مقارنة بغيره فهو قيادي ذو جد وعزم ورغبة اصيلة في المعرفة، فبالرغم من ان الوثيقة تقول عنه انه (ملم تماما بالشؤون المالية المحلية مع انه لا يفهم الكثير عن مجريات الاقتصاد العالمي)، الا انها تشير الي ان حماد طلب من مكتب الاتصال الامريكي تقديم معلومات و مطبوعات عن الوزارات في امريكا له و للوزراء الاخرين وان المكتب قام بتلبية ذلك الطلب، ثم يضيف انه تحدث الي حماد لاحقا و تحقق من خلال الحديث ان حماد قرأ تلك المطبوعات فعلا و استوعبها تماما!
(٤)
و قد ورد في الوثائق عن ميرغني حمزة انه تولي ثلاث وزارات في آن واحد هي: وزارة المعارف ( التربية) ووزارة الزراعة ووزارة الري. كما جاء في التقرير عن الرجل انه (عنيد و متطرف ومتشدد و متصلب و يطلق عليه البريطانيون اسم: « مهوقني حمزة « اشارة الي خشب المهوقني الشديد الصلابة). و لم اجد حافزا لمحاولة استقصاء العوامل التي كمنت وراء عناد هذا السياسي بقدر ما تاقت نفسي الي معرفة اسباب توليته ثلاث وزارات في وقت واحد وهو ما لم تتطرق اليه الوثيقة!
وتلاحظ ايها القارئ الكريم ان بعض التقارير عن وزراء حكومة الاستقلال قد كتبت بلغة مدرسية فتري في احدي الوثائق تقييما امريكيا لشخصية وزير الصحة امين السيد تقول عنه انه ( يتمتع بسمعة أعلي من متوسطة)، و اراك متحيرا مثلي في المعايير التي اتبعها هؤلاء الامريكيون في ترتيب « السُمعات « و تصنيفها بين وسط وما تحته وما فوقه. و لكنني بحكم اقامتي الطويلة في الولايات المتحدة استطيع ان افيدك بأن تقدير (سمعة فوق الوسط) الذي حصل عليه وزير صحتنا عند الاستقلال تقدير لا بأس به ابدا.
بيد أن ذلك لم يمنع الزبير حمد الملك رئيس الادارة الاهلية و مرشح حزب الامة من التعبير عن ضيقه بالدكتور امين السيد الذي فاز عليه في دائرة دنقلا، فقد اشتكي الملك لاحد ضباط الارتباط الامريكيين عند زيارته للشمالية من تزوير الانتخابات لصالح الدكتور امين، و نقل الضابط الامريكي في تقريره لواشنطن علي لسان الزبير حمد الملك قوله: ( انه سليل ملوك الدناقلة وان من اسماهم « اولاد الريف « الذين هاجر اجدادهم من مصر والذين يتمركزون في دنقلا وارقو و ينتمي اليهم الدكتور امين هم الذين زورا الانتخابات).
(٥)
وقد نظرت بشئ من اهتمام خاص الي الاجزاء التي ورد فيها ذكر السياسي محمد نورالدين الذي تولي وزارة الاشغال في الحكومة موضع التقييم الامريكي، كونه ينتمي الي بني جلدتي من النوبيين، ورجوت الله ان يكون حظه في الوثائق الامريكية افضل من سواه ولكن الله لم يستجب لدعائي. و قد جاء وصف نورالدين في احدي الوثائق هكذا (قصير. يلبس طربوش)، ثم تمضي الوثيقة (أثرى نورالدين من وراثة ورثها و من استثمارات ذكية في بلدته وادي حلفا).
وبعد ان اطنبت الوثائق في الحديث عن ميول نورالدين الوحدوية انقلبت عليه فقالت انه (فاسد ماليا و يتسلم رشاوي من مصر). و جاء في احد التقارير: (قال لي صحافي سوداني ان نورالدين سينهب وزارة الاشغال عن طريق عقودات التشييد و البناء).
ومن الوثائق عن السياسيين الجنوبيين هناك وثيقة عن وزير الدولة داك داي من دائرة النوير بأعالي النيل، و يقول كاتب التقرير: (ان داك يعارض بوث ديو معارضة شديدة لان بوث من دعاة الاستقلال بينما يميل داك نحو الاتحاد مع مصر). ووقوف قيادات جنوبية مع الاتحاد مع مصر قد يبدو مثيرا للعجب الي حد ما، و لكن الوثائق الامريكية تبدد ذلك العجب اذ تكتظ بتقارير مستفيضة عن رشاوي اتحادية للقيادات السياسية الجنوبية!
(٦)
والوثائق التي كشفت غطاءها وزارة الخارجية الامريكية تغطي الفترة من 1953 وحتي 1975، وهي فترة طويلة جرت خلالها مياه كثيرة تحت جسور النيل. و قد نهض استاذنا محمد علي صالح، كما سبقت الاشارة، الي امر معالجتها و استعراضها في اطار مشروع صحافي متكامل يهدف الي رفع جبل الجليد بقضه وقضيضه من الارشيف الوطني الامريكي ونقله الي ملاكه الحقيقيين في السودان.
والوثائق التي وضعها محمد حتي الآن بين ايدينا في الوطن و المهاجر لا تتجاوز نسبة ضئيلة. وفي الطريق اذن الاف الوثائق والتقارير، وبعض هذه قد تصيب اوتارا حساسة وتعكر صفاء غدران عذبة، و قد نري في متونها و حواشيها ما لا يسر. و لكن ما لا يسر لزوما لا يضر عموما، و قديما قالت العُربان: ما لا يقتلني يقويني. و من الخير لنا ولاجيالنا القادمة ان نأخذ تاريخنا بأيدينا وان نقف امام المرآة بتجرد و إباء لنري صورنا كما رسمها غيرنا في حقبات متوالية من تاريخنا المعاصر.
فإن لم تقع الصور من انفسنا الموقع الحسن فلا تثريب ولا بأس. تاريخ السودان في نهاية المطاف يصنعه ويصوغه السودانيون، لا الاستخباريون الامريكيون!


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 05:32 الجمعة 28 يوليو 2017.