• ×

/ 01:29 , الثلاثاء 19 ديسمبر 2017

مقــــالات الإستخباريـيـــــــن (۱

الصحف الصّحافة
التاريخ 30-05-2017
رقم الموضوع 8
التفاصيل
(۱)
دأب الصحافي السوداني الاستاذ محمد علي صالح، كبير مراسلي صحيفة (الشرق الاوسط) في الولايات المتحدة علي ترجمة واستعراض و نشر بعض وثائق حول الاوضاع السياسية في السودان دبجتها وبعثت بها الي واشنطن السفارة الامريكيه في الخرطوم في خمسينات القرن المنصرم. ولم تكن السفارة الامريكية و غيرها من السفارات في واقع الامر تعرف بذلك الاسم و انما كان يطلق عليها: مكاتب الاتصال، اذ لم يكن السودان عهد ذاك دولة كاملة الاستقلال مطلقة السيادة، و إن كانت مسيرة شعبه القاصدة تقف قاب قوسين او ادني من غاية الاستقلال و عزوة السيادة.
المعروف ان في الولايات المتحدة، كما هو الحال في غيرها من الدول المتقدمة، تشريعات عريقة تلزم السلطة التنفيذية برفع ستار السرية عن ملفاتها و مستنداتها الرسمية وإتاحة حق الاطلاع عليها للباحثين ولعامة الجمهور خلال فترات زمنية محددة. والقانون الذي يكفل هذا الحق، المسنود بالدستور، في الولايات المتحدة هو قانون حرية المعلومات لسنة 1966. ويلزم القانون جميع وكالات الحكومة الفدرالية بفتح ملفاتها للراغبين في الاطلاع عليها، مع استثناءات محددة تتصل بمقتضيات الامن القومي الامريكي، ولم يترك القانون هذه الاستثناءات بكليتها للوكالات الفدرالية وانما نص بوضوح تام على ان من يقطع بشأنها هو وزارة العدل والسلطة القضائية.
وخلال السنوات الاخيرة، و استنادا على هذا القانون، صارعت احدي الجمعيات الاهلية المغربية الصغيرة وكالة المخابرات الامريكية – بهيلها و هيلمانها – و قارعتها امام لجان وزارة العدل و هي تطالب الوكالة بكشف الملفات و المستندات الدالة على دورها في جريمة اغتيال المناضل المغربي المهدي بن بركة في العاصمة الفرنسية باريس في اكتوبر 1965، و قد ارغمت الجمعية وكالة المخابرات علي الاعتراف امام اللجنة العدلية التي نظرت في الامر بأنها تحتفظ ب 184ملفا يتعلق بالمهدي بن بركة!
(۲)
و قد وجدت في الحلقات التي ترجمها الى العربية الاستاذ محمد علي صالح مادة للتأمل في جوانب متعددة اولها – علي صعيد شخصي – المفارقة التي جعلت من كتابات و اسهامات الرجل الصحفية مصدرا و مدخلا للالاف من السودانيين، و صاحبكم من بينهم، في فترة باكرة من العمر للتعرف على الولايات المتحدة و ثقافاتها وانظمتها وأنماط الحياة في حضرها ومدنها.
وكانت جريدة ( الصحافة) تنشر خلال السبعينات، وكاتب هذه الكلمات لما يزل في مدارج الطلب عند المرحلة المتوسطة سلسلة مقالات طويلة شيقة شديدة الامتاع بعنوان: (هذه هي امريكا ) بقلم: محمد علي محمد صالح (هكذا كان اسمه يُكتب كاملا قبل ان يقررالاقامة في الولايات المتحدة حيث الايجاز والاختصار سنة الحياة فاختزل اسمه ليصير: محمد علي صالح).
وكان في زمان كتابته للحلقات محررا صحفيا ومبعوثا للدراسات العليا بالولايات المتحدة. وأذكر جيدا انني رأيت في احدى تلك الحلقات صورة فوتوغرافية له وهو يعمل في مطبخ كبير مرتديا طاقية الطباخين الطويلة المميزة، وقد ذكرته بتلك الصورة و سألته عنها بعد خمسة و ثلاثين عاما وانا اكتب هذا المقال فاستذكرها وقال لي بأنها اخذت له اثناء عمله في وظيفة مساعد طباخ بكافيتيريا داخلية ايغينمان لطلاب الدراسات العليا بجامعة انديانا في العام 1973. وتدورالاقدار دورتها عبر الاجيال فإذا نحن وقوف على مدارج الكهولة ثم اذا بمصدرنا ومدخلنا للتعرف على رؤى الامريكيين و تقويمهم للشخصيات و الحياة العامة في السودان خلال حقبة الاستقلال هو نفس الرجل.
ولكنه هذه المرة عوضا عن ان يكتب لاهل السودان عن امريكا وجمالها ودلالها وعظمة شعبها، فإنه اخذ على عاتقه ان يظهرهم على ما استبان له من اسرار الاستخباريين الامريكيين وما تداولوه من وراء الابواب المغلقة عن السودان وسياساته و قياداته. و يزمع الاستاذ محمد علي صالح ان ينشر على الشبكة العنكبوتية، في اطار مشروع متكامل يعكف عليه حاليا، النصوص الكاملة لكل الوثائق الامريكية ذات الصلة بالسياسة السودانية خلال الفترة الممتدة من 1953 الي 1975 كما اماطت عنها اللثام وزارة الخارجية الامريكية ووفرها الارشيف القومي الامريكي. وينسب محمد الكثير من الفضل في افتراع هذا المشروع لصديقيه الخبير في البنك الدولي الدكتور سلمان محمد احمد سلمان و الصحافي المعروف الاستاذ السر سيد احمد.
(۳)
وهناك الكثير مما يبعث علي التفكر والاعتبار عند النظر المستبصر الي متن الوثائق الامريكية كما استعرضها محمد في حلقاته المتسلسلة. وأول ما خطر ببالي هنا هو العنصر البشري – من كادرات الحكومة الامريكية – التي وقعت عليها مهمة مراقبة الامور والناس وكتابة التقارير عنها وعنهم. وأحسب ان العنصر الغالب من هؤلاء الذين قاموا بصياغة التقارير هم من كادرات السلك الدبلوماسي وليسوا من عناصر وكالة المخابرات الامريكية.
وهذا ترجيح ظني يستند الي حقيقة ان الوثائق تخص وزارة الخارجية وهي التي تداولتها وحفظتها ثم افرجت عنها، ولا يغير من الحقيقة في شئ ان التقارير صيغت في قالب استخباري ذلك ان كثيرا من منسوبي السلك الدبلوماسي بعامة – في الغرب وفي غيره – يتبعون في صياغة تقاريرهم اسلوبا يشابه و يطابق في كثير من الاحيان الاساليب المتبعة من قبل الاجهزة الاستخبارية. و التشابه في اسلوب و منهج الكتابة عند التصدي لقضايا العالم الثالث عموما تلمحه بوضوح في كثير من كتب و مذكرات الدبلوماسيين الامريكيين المتقاعدين عند مقارنتها بكتب و مذكرات منسوبي وكالة المخابرات.
(٤)
اول ما لفت انتباهي في التقارير التي رفعها الدبلوماسيون الامريكيون في الخرطوم اجمالا هو الاهتمام الشديد والواضح بالسودان من قبل وزارة الخارجية الامريكية و المؤشر الي ذلك هو الكثافة والدقة و الاهتمام بالتفاصيل عند تصوير وتحليل الاحداث والشخصيات. ولم يكن ليخطر لي ببال – من حيث المبدأ – ان الولايات المتحدة تولي السودان و تطوره الدستوري كل ذلك الاهتمام في ذلك الزمان من القرن الماضي و الدنيا في معمعان الحرب الباردة و العالم ما يزال يعاظل عقابيل حرب عالمية لم تبق و لم تذر.
و لا مناص لكل من يقرأ ايا من تلك الوثائق من الخلوص الي ان من صاغوا تلك التقارير عن الاوضاع والشخصيات القيادية في السودان كانت لهم صلات وثيقة بعدد كبير من السودانيين في خرطوم الخمسينات و ما بعدها و ان نفرا مقدرا من هؤلاء ما كانوا يستنكفون عن الجود بموجود المعلومات والادلاء بها لتلك الدوائر الاجنبية في سخاء راكز.
غير ان للحقيقة في جزئية مصادر المعلومات وجها آخر و هو ان كتبة التقارير من الدبلوماسيين و الاستخباريين الامريكيين كانوا في ذات الوقت علي علاقة اوثق بقادة وكادرات الادارة البريطانية وانهم لا بد ان يكونوا قد استنبطوا قسطا مقدرا من معلوماتهم من ذلك الطريق.
كطالب للعلوم السياسية و التاريخ لفتت انتباهي معلومات كثيرة وردت في الوثائق و سأعرج بك الى بعضها من فوري، و اغرب ما وقعت عليه فقرة اشتملت على اخطاء محيرة ما كنت احسب ان من عاش في السودان من الدبلوماسيين الاجانب في زمان كتابة ذلك التقرير يقع فيها خاصة في بلد مفتوح على مصراعيه كخرطوم الخمسينات. وتؤشر تلك الفقرة الى المصاعب والمحاذير الشديدة التعقيد التي تحيط بمهمة جمع المعلومات و تقويمها و اعتمادها مادة للتخابر بواسطة الاجهزه الدبلوماسية و التخابرية. ففي التقرير المؤرخ 12 يناير 1954 الذي اعده جوزيف سويني، ووظيفته ضابط ارتباط بمكتب الاتصال الامريكي بالخرطوم، وأصل التقرير مرسل الى واشنطن مع صورتين الى لندن والقاهرة وعليه خاتم سري للغاية، ينقل كاتب التقرير نبأ ترشيح حزب الامة لمحمد احمد محجوب لتولي زعامة المعارضة البرلمانية، و يصف الترشيح بالغرابة و يقول ان محجوب ليس عضوا في حزب الامة وان اختياره لزعامة المعارضة جاء لتعويض النقص في القدرات الخطابية لرئيس الحزب الصديق المهدي، وان ذلك الاختيار لزعامة المعارضة لا يعني ضمنيا ان الحزب كان سيختار الرجل لرئاسة الوزارة في حالة حصول الحزب على الاغلبية البرلمانية.
(٥)
و يشتمل التقرير على مائتي كلمة تقريبا في توصيف و تحليل شخصية المحجوب لكأن كاتب التقرير طبيب نفساني، و الى ذلك يشير الكاتب لبعض ( العقد التي تكتنف شخصية المحجوب) فيقول في صددها ان (هناك انطباعا عاما بأن عقدة الشخصية ترجع الي حقيقة اصوله من جهة والدته). و فساد هذا الزعم الاخرق مما لا يحتاج الي تبيان. و يعيد هذا المنحى في تحليل الشخصيات العامة الى الاذهان محاولة مماثلة لمحمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب) الذي صدر في بداية التسعينات لتحليل شخصية الرئيس المصري الراحل انور السادات انطلاقا من واقع اللون الاسود لوالدته التي قال هيكل ان اسمها « ست البرّين «. وقد جرّت تلك المحاولة، في زمانها، على هيكل ردات فعل تند عن الوصف.
ويمضي التقرير قدما في الحديث عن خلفية المحجوب الاسرية فيقول ان اسرته انجبت عددا من اميز السودانيين ويسمي التقرير اشقاء المحجوب و يقدم نبذة موجزة عن كل منهم فيقول: (ان شقيقه احمد يوسف هاشم يعتبر من القيادات الصحفية في البلاد وان شقيقه الاخر عبدالقادر يوسف تم اختياره لتولي وظيفة مدير مصلحة العمل، وان شقيقه الثالث الدكتور عبد الحليم محمد هو مدير مستشفى الخرطوم). وكنت قد حادثت الاستاذ محمد على صالح في امر ما جاء في التقرير عن اشقاء المحجوب فبعث اليّ بأصل التقرير في لغته الانجليزية. والملاحظة الرئيسية في هذا الجانب هي التخليط الفاحش الذي وقع فيه التقرير بتسمية ثلاث شخصيات سودانية بارزة علي انها تمت للمحجوب بصلة الدم المباشرة كأشقاء من اب وأم او على الاقل من اب او ام واحدة، ففي علم الكافة ان الثلاثة الذين سماهم التقرير ليسوا في الحقيقة من افراد اسرة المحجوب المباشرة ناهيك عن ان يكونوا اشقاءه، و يحار المرء في وقوع المخبر الامريكي في اخطاء مثل هذه و اخفاقه في تبيّن الاختلاف في الاسماء، اذ كيف يعقل في بلد كالسودان ان يكون هناك اشقاء تتباين اسماء والديهم كل ذلك التباين!


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 01:29 الثلاثاء 19 ديسمبر 2017.