• ×

/ 13:40 , الإثنين 18 ديسمبر 2017

طروس كبير العسس والبصاصين (٢)

الصحف الصّحافة
التاريخ 14-02-2017
رقم الموضوع 6
التفاصيل
(۱)
بالرغم من ان كتاب (أوراق من الذاكرة) المشتمل على مذكرات وزير الداخلية ورئيس جهاز الامن الأسبق عبد الوهاب ابراهيم صغير الحجم بصورة ملفتة للنظر، مقارنة بالمسافة الزمانية الشاسعة التى تغطيها المذكرات والتى تمتد علي مدى خمسة عقود متوالية، و بالرغم من أن الوقائع والأحداث يجرى أستدعاؤها كليا من الذاكرة، دون أستناد إلى مدونات مكتوبة او تسجيلات مسموعة، بحسب إفادة المؤلف، فإنك تجد بين دفتى هذا الكتاب الصغير أرتالاً من المعلومات المثيرة التى تلقى بأضواء كاشفة على منعطفات محورية فى تاريخ السودان المعاش. وهي معلومات يسردها الفريق عبد الوهاب بصورة مباشرة وموجزة، مشفوعة ومعززة بدعائمها من مصادر وشهود ووثائق وقرائن ومقتضيات أحوال.
ويقدم الكتاب صورا ناطقة لمشاهد ووقائع و مواقف ذات تأثير عميق في المجرى العام لحركة الحياة السياسية والاجتماعية السودانية، عايشها المؤلف مراقبا ومشاركا في بعض الأحيان وصانعا فى أحيان أخرى. وتضع ذكريات عبد الوهاب المتداعية فى مجملها بين يدى القارئ تصورا موضوعيا يعين علي تقويم العوامل المتضافرة التى أحاطت بهذه الحادثات، وطبيعة الشخصيات الفاعلة والمحركة لها، فضلا عن طبيعة العلاقات المعقدة بين هذه العناصر.
(۲)
يلمس القارئ بغير عناء شدة إعتداد المؤلف بإنتمائه و تكوينه الأساسى كضابط شرطة، فصفة ضابط الشرطة مقدمة عنده على كل مسمي مهنى أو دستورى إرتبط باسمه على طول مراحل مسيرته الإحترافية والسياسية. والمذكرات نفسها وإن كانت تحمل العنوان الرئيس ( أوراق من الذاكرة )، فإنها تحمل أيضا في جزئها الثانى عنوانا مكملا وهو: (محطات في مسيرة ضابط شرطة).
وغيرة الرجل على قبيلته المهنية، في مواجهة كيانات أخرى ، تكاد تنطق بلسان. فقد جاهر الرجل برفضه دعاوى قادة النظام في السبعينات ممن بشروا بضرورة فصل إختصاص الأمن العام عن كيان الشرطة، بحيث يجد الأمن العام مجالا لحرية الحركة خارج مظلة العمل الشرطي. و عبّر عن إعتقاد يساوره بأن مثل هذا المخطط إنما إستهدف بالأساس التقليل من دور ووزن الشرطة.
وعندما دُعى صاحبنا الى القصر الجمهورى فى أغسطس 1978 ليتم إخطاره بنية فصل الأمن العام عن الشرطة توجه بسؤال الي الرئيس نميرى عما إذا كان الأمر مطروحا للبحث والنقاش أم أن القرار قد تم أتخاذه، فأجابه الرئيس بأنه قرار محسوم واجب النفاذ. يقول صاحبنا: (فسحبت مقعدى للخلف ولم أشارك في النقاش، ولكننى سمعت وزير رئاسة الجمهورية يقول إنه فتح قاموس أوكسفورد ليختار اسما للجهاز الجديد فعلمت أن الطبخة مكتملة)!
(۳)
وعند إكتمال تدريب قوة كبيرة من الإحتياطى المركزى للشرطة و إقامة إستعراض كبير لها باستاد الخرطوم، وإستحسان الجميع للمظهر والكفاءة والإحترافية المتميزة التى تجلت في العرض، فإن أذن الفريق عبد الوهاب لم تخطئ التقاط بعض الأصوات و الهمهمات في المنصة الرئيسية، التى لم يُسر أصحابها و لم يطب بالهم بما رأوا، فتمتموا متسائلين عما يرونه متسائلين (جيش ام شرطة؟).
وتلمس الامتعاض من مواقف هؤلاء عند صدور قرار من جامعة الدول العربية بتوحيد مسميات الشرطة فى كل البلدان العربية، فقد وافق رئيس الجمهورية على مضض على الالتزام بقرار الجامعة العربية بتوحيد وإستبدال مسميات رتب الشرطة من ملاحظ وحكمدار وقمندان و غيرها بالرتب الجديدة من نقيب ورائد و مقدم وعقيد الي أخر السلسلة. و لكن الرئيس قرر أضافة لفظة (شرطة) بعد كل رتبة لتمييزها عن القوات المسلحة. و ذهبت أدراج الرياح جهود الوزير لإقناع الرئيس بأن الدول العربية الأخري لا تضيف تلك اللفظة أذ أنها لا تعدو أن تكون إضافة متزيّدة لا معنى لها.
ويُلمّح الفريق عبد الوهاب، تلميحا يقرب من التصريح، بأن قرار الرئيس السابق عام 1978 بحل وزارة الداخلية، جاء تعبيرا عن الضيق بالوزارة ووزيرها وليس إتساقا مع سياسات الحكم اللامركزى كما سار الإعلان الرسمى. و آيات ذلك عديدة، منها أن أبل ألير رئيس لجنة الحكم اللامركزى قد أكد له شخصيا بأن لجنته لم تناقش أو تُجِز قط توصية بحل وزارة الداخلية. و منها رفض وزير الداخلية المُقال الانصياع لتوجيهات الرئيس بفصل و إيقاف بعض القيادات ومنها مدير عام الشرطة. و لكن أنصع الآيات و أكثرها إبانة كانت أجابة الرئيس السابق نفسه، بعد مغادرته مقعد الرئاسة، علي سؤال وجهته اليه صحيفة (الاخبار) المصرية فى أطار سلسلة حوارات نشرتها الصحيفة تحت عنوان (نميرى يتذكر)، جاء السؤال: (من كان من وزرائك كثير المشاكسة؟) فأجاب الرئيس المعزول: (وزير كان بطبعه متمسكا بما فى ذهنه إذا تلقى تعليمات منى، و قد أقلت ذلك الوزير مما أثار غضبه، ولكن بقينا على صلة طيبة، وهذا الوزير هو عبد الوهاب إبراهيم وزير الداخلية السابق)!
(٤)
وهناك رواية تتضمنها المذكرات، ربما ألقت مزيدا من الضوء على طبيعة العلاقة بين الرئيس ووزير داخليته ورئيس جهاز أمنه، وقد دارت وقائعها فى إجتماع مغلق بالقصر الجمهورى، و لكنها على حساسيتها لم تعد سرا علي الكثير من المتابعين والمراقبين، إذ أن الدكتور منصور خالد كان قد أتى بخبرها، و سطّرها بنصّها و فصّها في أحد كتبه. و منصور، كما هو فى علم الكافة، بصّاص كبير لا يُشق له غبار و لا تخفى عليه شوارد الأسرار. و متن الرواية أن الرئيس السابق كان قد عبّر في جلسة لمجلس الأمن القومى عن ضيقه بأجهزة النظام الإمنية، و قال بأن هذه الاجهزة لو كانت فاعلة حقا لكانت قد تمكنت من القضاء علي الصادق المهدى والشريف حسين الهندى.
وكان مُراد الرئيس ومبلغ مشتهاه أن يضطلع أ حد أجهزته الأمنية بمهمة إغتيال الرجلين، كما تفعل الأجهزة فى بعض الدول العربية، وقد رد الفريق أول عبد الوهاب رئيس جهاز الامن العام علي الرئيس – فى حضور جميع أعضاء المجلس – بأن جهازه لا ولن و ليس من شأنه أن يقوم بهذه الإعمال ونظائرها، إذ أنه جهاز مهنى وطنى يقوم بواجباته المنصوص عليها فى القانون. كما رد بمثل هذا المغفور له على عبد الرحمن نميرى الذى كان آنذاك على قمة جهاز الأمن القومى .

كتب:مصطفي عبدالعزيز البطل ... لوجه الله


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 13:40 الإثنين 18 ديسمبر 2017.