• ×

/ 05:41 , الجمعة 28 يوليو 2017

طروس كبير العسس والبصاصين (۱)

الصحف الصّحافة
التاريخ 07-02-2017
رقم الموضوع 2
التفاصيل
(۱)

العسس هم الشرطة، وفي الزمان القديم كانت العسس هى الجماعة التى تجوب الطرقات ليلا، سهرا علي تأمين الناس وممتلكاتهم والحفاظ علي النظام. وأول من إستخدم نظام العسس هو الخليفة الراشد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، حيث أمر بطواف العسس في الليل للحراسة. و أول من أسندت اليه هذه المهمة هو سيدنا عبد الله بن مسعود، فهو أول عسّاس في الاسلام، نسأل الله أن يتقبل عِساسته للمسلمين، و أن يثيبه عنها أجزل المثوبة.

أما البصّاصون فهم المخبرون، وكبير البصّاصين هو رئيس المخابرات بلغة عصرنا الحاضر. والبِصاصة هي الرقابة والتخابر ومفردها بصّاص. و هى غير البصبصة التى مفردها بصباص، و تعني في دارجية بعض الدول العربية – كما في عامية السودان النيلى – الرجل المنشغل بالنساء والذى لم يسمع بالآية الكريمة ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم …)، و يُقال في شأنه: ( عينو زايغة )!
وفى الرواية الشهيرة (الزينى بركات) التى مزجت بين التخييل التاريخى والتأصيل التراثى، إستفاض القاص جمال الغيطانى فى استخدام و تطويع لفظة البصاصة ومشتقاتها و منحها أبعادا عبقرية شديدة الحيوية بحيث يكاد القارئ يحس ويرى، رأى العين، كبير البصاصين، زكريا بن راضى، و أعوانه و هم مستغرقون في شؤون بصاصتهم، التى اتخذها الغيطانى رمزا أدان من خلاله أجهزة القمع والاستبداد في العهد المملوكى، التى ماثل بها أجهزة المخابرات فى مصر الستينات.

(۲)
و لكن قائد العسس وكبير البصاصين الذى نقلب فى طروسه و أوراقه، و نتداول صفحات مذكراته المعنونة: (أوراق من الذاكرة)، لا علاقة له من قريب أو بعيد بعسس وبصاصى الزينى بركات فى عصرهم المملوكى، إذ هو شخصية ماثلة للعيان، فاعلة فى محيط حياتنا الحاضرة المتلاطم، يُغالب موجاتها وتغالبه، تدافعه بسنن التغيير الغاشية و يُدافعها بحنكة الشيوخ العاتية. و قد صدرت مذكرات الفريق أول عبد الوهاب إبراهيم سليمان عن مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية.

(۳)
تدرج الفريق أول عبد الوهاب إبراهيم، فى سلك العمل الشرطى و الأمن السياسى حتى تسنم ذري السوامق العوالى من المسؤوليات فأصبح وزيرا للداخلية ورئيسا لجهاز الأمن العام خلال سنوات بالغة الدقة شديدة الحساسية من سبعينات القرن المنصرم. وقد كان آخر وزير للداخلية يجمع على صعيد واحد بين مهام العِساسة والبِصاصة، إذ شغل -كما ذكرنا – منصبى وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن العام في آنٍ معا. و لكن مقتضيات التمييز والتدقيق تفرض علينا أن نبين فى هذا الصدد جزئية ذات مبنى ومغزى، وهي أن البِصاصة، كإختصاص مركزى سيادى، كانت خلال السنوات الأولي للعهد المايوى منقسمة تناصفا بين كيانين، الأول ذلك الجهاز الذى أطلقت عليه سلطة مايو فى أول عهدها مسمى: جهاز الأمن القومى، وقد أنحصرت مهامه رسميا فى جمع و تحليل المعلومات. أما الكيان الثانى فكان هو جهاز الأمن العام الذى أضطلع بممارسة الجانب الأمنى التنفيذى العملى والتخابرى.

غير أن النظام المايوى عاد في نهاية السبعينات فبدل من أمر هذه القسمة الإختصاصية تبديلا، إذ جمع فى حاوية واحدة عرفت باسم جهاز أمن الدولة بين العمل المعلوماتي والاختصاص التخابرى والأداة الأمنية التنفيذية. وسنّت الحكومة المايوية قانون أمن الدولة، الذى خبره معارضو النظام واصطلوا بناره وابتلوا بشناره و شكوا منه مر الشكوى، ليكون بمثابة الغطاء الشرعى لعمل ذلك الجهاز. فأما جهاز الأمن القومى في صورته السابقة الملغاة فقد تعاقب على سُدته كل من الرائد مأمون عوض أبوزيد، والراحل العميد الرشيد نورالدين، الراحل الرائد على عبد الرحمن النميرى. فلما شب الجهاز عن الطوق و لبس لبوسه التوسعى الجديد، تحت مظلة قانون أمن الدولة، تولى أمره اللواء عمر محمد الطيب، الذى ارتبط اسمه فى مرحلة لاحقة بملهاة تهريب يهود الفلاشا من إثيوبيا إلي إسرائيل.

(٤)
وظل الأمر علي هذا المنوال حتى أفل نجم مايو و أشرقت شمس الديمقراطية الثالثة، فأعادت حكومة السيد الصادق المهدى الأمر سيرته الاولى، فأرجعت إختصاص الأمن العام التنفيذى الى وزارة الداخلية، ثم إصطنعت جهازا جديدا باسم جهاز أمن السودان إقتصر تكليفه على جمع وتحليل المعلومات وأعمال الاستخبارات المضادة. وعوضا عن أن يتفرغ ضباط ذلك الجهاز لمراقبة أعداء البلاد والمتربصين بها، فإنهم أوقفوا جل همهم على مراقبة و (جمع المعلومات) عن رئيس الوزراء السيد الصادق المهدى وتتبع حركاته و سكناته. إذ كان الرجل الثالث في ذلك الجهاز، و هو ضابط برتبة عميد، وربما آخرون، علمهم عند الله و الراسخون في تدبير الانقلاب الحركي الاسلامي، عناصر ناشطة فى منظومة العمل التخابرى لحزب الجبهة الاسلامية الذى توجت جهوده بإنقلاب يونيو 1989.

(٥)
ومن الحق أن جهاز أمن السودان، الذى قام فى ظل الديمقراطية التعددية الثالثة، كان من أضعف الأجهزة الأمنية في تاريخ البلاد، وأكثرها طشاشا وهشاشا ورقة حال. و لذلك الجهاز طرائف وأعاجيب. فمن طرائفه وأعاجيبه، بعد أن جعلت الديمقراطية على رأسه المغفور له العميد (م) عبد الرحمن فرح من قيادات حزب الأمة، أن أحد أقسام المراقبة فيه وضعت عنصرا أمنيا يرتدى ملابس حديثة، من قميص شبابي وبنطال من الحرير و حذاء فاخر وساعة لامعة أمام منزل السفير المصرى السابق، أحمد تقى الدين الشربينى، لمراقبة زواره و إتصالاته، ووضعت أمام العنصر الأمني الشاب، المدينى الهندام، كومة من البطيخ كى يبدو وكأنه يبيع الفاكهة للسابلة. ولم يكن المكان أمام منزل السفير مما يصلح أساسا لمثل هذا النوع من البيوع فباعة البطيخ، الذين يرتدون في الغالب (عراريق) بلدية و(مراكيب)، يعرضون بضاعتهم فى العادة عند تقاطعات الطرق الرئيسية لا في المسارات الداخلية المقفرة للأحياء الراقية. ثم إن السفير نفسه كان كادرا مخابراتيا عتيدا فى بلده، تدرج في سلك المخابرات، لا السلك الدبلوماسى، كما ظن الذين لم يعرفوا خلفية الرجل. وعندما جاءت سيارة السفير لتدخل المنزل، لاحظ السفير ما لاحظ، فترجل عن سيارته وتوجه رأسا الى بائع البطيخ، وبعد أن قلب بعض المعروض من بضاعته تخير بطيختين كبيرتين، توسم فيهما الحمرة وحلاوة المذاق، ثم توجه الى الشاب الأمنى، وهو يشير بسبابته الى البطيختين، بسؤال مباغت، كاد الشاب يسقط على إثره مغشيا عليه: (يا إبنى .. بطيخ عبد الرحمن فرح ده بكام)؟؟

الثلاثاء ٧فبراير،۲۰۱٧م ... لوجه الله


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 05:41 الجمعة 28 يوليو 2017.