• ×

/ 07:30 , الأربعاء 26 سبتمبر 2018

التعليقات ( 0 )

عرب فرنسا يسجّلون أبناءهم في مدارس كاثوليكيّة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كيم/وكالات أمام الواقع المتردي للتعليم الرسمي في فرنسا، لا تجد العائلات العربية بدّاً من تسجيل أبنائها في مدارس خاصة. وتُقبِل الجاليات العربية المسلمة على تسجيل أبنائها وبناتها خصوصاً في المدارس الخاصة الكاثوليكية التي تسمح لهن بارتداء الحجاب بخلاف المدارس الرسمية. لكنّ رسوم التسجيل المرتفعة تتطلّب تضحيات مالية كبيرة. أما المدارس العربية ـ الإسلامية، فهي ما زالت في بداياتها وتتعرّض لكثير من الرفض من جهة البلديات ووزارة التربية الوطنية. ويلحظ هذا في عدم تعاقد الدولة الفرنسية إلا مع ثلاث مدارس عربية ـ إسلامية فقط.
أسرة عبد العزيز نموذج من أسر الجاليات العربية في فرنسا. تعرف الأسرة أنّ رسوم تسجيل ولديها في مدرسة خاصة كاثوليكية كبيرة، ومع ذلك تصرّ على هذا الإجراء كآلاف العائلات العربية الأخرى. لأوّل وهلة يبدو إرسال تلاميذ مسلمين إلى مدارس مسيحية صادماً. لكنّه ليس كذلك في العمق، فالنظام التعليمي في هذه المدارس لا يختلف اختلافاً كبيراً عن التعليم الحكومي، وهو شرط ضروري لحصول هذه المدارس على الدعم وعلى الاعتراف بشهاداتها. وتبقى الإشارة بهذا الخصوص إلى أنّ مادة الديانة المسيحية في تلك المدارس ليست إلزامية للتلاميذ المسلمين الذين يمكنهم أن يختاروا مادة موازية عن الإسلام.
هذه من المحفّزات التي تدفع الآباء المسلمين إلى هجرة المدارس الرسمية، في حين يلجأ غيرهم أيضاً إلى تسجيل أبنائه في مدارس خاصة. والدافع الأبرز أنّ المدرسة الحكومية بدأت في التراجع منذ عقود، وباتت تقدّم نتائج مخيّبة. وغالباً ما يتخرّج التلاميذ بنتائج ومستويات تعليمية تحول بينهم وبين التعليم الجامعي.
تشير الدراسات إلى أنّ تلاميذ المدارس الرسمية يخطئون كثيراً في الإملاء. ويعود السبب إلى تغيّب المدرّسين والتساهل في التدريس. كذلك فإنّ عدداً كبيراً من العائلات الفرنسية تفضّل عدم إرسال أبنائها إلى مدارس تجمع المواطنين والمهاجرين كي لا يؤثر المستوى التعليمي "السيئ" لأبناء المهاجرين على أبنائهم. لذلك وغيره، باتت المدارس الرسمية مثالاً للرداءة وانحدار المستوى.
ويزداد الأمر سوءاً في الأحياء والضواحي التي تسكنها أكثرية من المهاجرين وأبناء الأجيال المتعاقبة للمهاجرين التي يطلق عليها اسم مناطق "زيب"، أي مناطق التعليم ذات الأولوية. ويرفض معظم المدرّسين التعليم في هذه المناطق بسبب العنف السائد في مدارسها وحالات الإرهاق والخوف التي تنتابهم، حتى أنّ بعض المدرّسين وصل الأمر بهم إلى الانتحار أو محاولته. تجدر الإشارة إلى أنّ السلطات تخصص رواتب أكبر للمدرّسين في هذه المناطق.
يقول عبد العزيز وهو بائع بيتزا، إنّ رداءة التعليم الذي تقدمه المدرسة الرسمية ليست السبب الوحيد للتوجّه إلى مدارس خاصة كاثوليكية. ويشير إلى أسباب أخرى، أبرزها انفجار قضية الحجاب الإسلامي في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، وسنّ البرلمان الفرنسي قانوناً يُحرّم ارتداء الحجاب في المدارس الرسمية. يأتي هذا إلى جانب بروز ظاهرة الإسلاموفوبيا، التي لم تخفّ وطأتها منذ تلك الفترة حتى اليوم، خصوصاً مع ما يجري من إرهاب في الداخل الفرنسي والشرق الأوسط. ويتابع عبد العزيز أنّ هذا "التطرف العلماني" دفع بعائلات عربية فقيرة إلى سحب بناتها من المدارس وإعادتهن إلى البيت، فيما سعت عائلات عربية ميسورة إلى البحث عن مدارس لا تحارب هذا الزيّ، فكان الحل في المدارس والثانويات الخاصة الكاثوليكية.
يتابع عبد العزيز: "صحيح أنّ التدريس ليس مجانياً في هذه المدارس بل هو مكلف، لكنّها ضريبة لا بدّ منها من أجل تعليم أبنائنا وبناتنا. وما عزّز قرارنا هو أنّ هذه المدارس معترف بها من قبل وزارة التربية الوطنية. كذلك فإنّ التعليم فيها صارم، وهي تتابع مستوى التلميذ كما يجب، وتتصل بأهله كلما لوحظ تغيّر في مستواه".
صحيح أنّ المدارس العربيّة الخاصة جزء من الحل، إلا أنّ ظروفاً تاريخية تتعلق بالاستعمار وبوصول العرب المتأخر إلى فرنسا وبدرجات انتظامهم، جعلت ظهور هذا النوع من المدارس متأخراً كثيراً. كذلك لم ترقَ إلى ما حققه التعليم الخاص المسيحي واليهودي في فرنسا، من نواحي العدد والمستوى والاعتراف الرسمي. المدارس الخاصة المسيحية واليهودية عددها كبير جداً، وظهورها المبكر جعلها تحصل على عقود شراكة مع وزارة التربية الوطنية، وهي عقود تؤمّن لها مساعدات مالية واعتراف بشهاداتها.
إلى ذلك، لا تتعدّى المدارس العربية ـ الإسلامية الخاصة في فرنسا ثلاثين مدرسة، في مقابل 300 مدرسة يهودية خاصة وتسعة آلاف مدرسة كاثوليكية خاصة. وتحظى ثلاث مدارس عربية ـ إسلامية فقط بعقود شراكة مع الدولة، وغالباً ما تعاني هذه المدارس من مشاكل مالية مزمنة. وهو نقص يجعل اللجوء إلى المدارس الكاثوليكية ضرورياً.
تجدر الإشارة إلى أنّ ظروف عمل المدارس الخاصة العربية ـ الإسلامية في غاية الصعوبة. ويمكن التطرق إلى مثال على ذلك في "مدرسة النجاح الثانوية" العربية الخاصة في أوبيرفيلليي، في ضواحي باريس. وكانت هذه المدرسة قد صمدت طوال 14 عاماً، فيما توشك اليوم على الانهيار لأنّ رسوم تسجيل التلاميذ لم تعد تكفي. ويصل عجزها السنوي إلى 300 ألف يورو (336 ألف دولار أميركي)، ما اضطرها إلى إغلاق بعض أقسامها.
تعرف عائلة عبد العزيز التي يعمل الزوجان معاً لتأمين مصاريفها، أن ظروفها تسمح لها بأن تدفع سنوياً ما يقرب من 2700 يورو (3020 دولاراً) عن كل واحد من ولديهما. لكن هذا المبلغ، لا تستطيع أسر عربية كثيرة - لا سيما تلك التي تعاني من بطالة مزمنة - أن تسدّده بدل تعليم أبنائها.
كذلك فإنّ رسوم المدارس الخاصة ليست موحّدة، بل متفاوتة بحسب مستوى المدرسة وشهرتها وسمعتها المميّزة. وفي مثال على ذلك، تتراوح رسوم التسجيل السنوية في مدرسة "شانت إيلير" في باريس ما بين 6000 و9000 يورو (6708 - 10062 دولاراً)، بحسب المراحل الدراسية فيها.
هل يمكن تصوّر عائلات عربية بأكملها تسحقها البطالة المزمنة وتعيش بفضل مساعدات الدولة، تضمن لأبنائها تعليماً جيداً؟ الجواب معروف سلفاً، وهو النفي. وهذا ما يفسّر مستويات الفشل المدرسي العالية جداً بين أوساط العرب والمهاجرين، ويفسّر حقيقة النسب القليلة من أبناء المهاجرين في الجامعات والأكاديميات الفرنسية.
قضية التعليم الرسمي وفشله في استيعاب أبناء المهاجرين العرب وتقديم التعليم المميّز لهم، لا تقلق العائلات العربية فقط. السلطات الرسمية تبدي قلقها كذلك، لأنّ الأمر يفضح فشلها في استيعاب ودمج هذه الشرائح في نسيج المجتمع الفرنسي الواحد. وتضع السلطات نصب عينيها وبشكل دائم، انتفاضة 2005 الشهيرة في أحياء المدن الفرنسية الكبرى، والتي تخللتها أعمال شغب من جهة المتظاهرين ومعظمهم من المهاجرين، فيما ردت الشرطة الفرنسية بعنف عليهم، من دون أن يبادر أحد إلى معالجة أسباب انتفاضتهم تلك والتمييز الذي يعانون منه على كافة الصعد.
قبل سنوات عدّة، عمد بعض رؤساء كبرى المدارس الفرنسية التي تصنع نُخَب البلاد والتي تفرض شروطاً صعبة للالتحاق بها، إلى تسجيل بعض التلاميذ المتحدّرين من الأحياء والضواحي في هذه المدارس حتى يكونوا نواة نخبة تتحدّر من أصول مهاجرة. عرفت التجربة بعض النجاح، لكنها تعرضت لهجوم من كلّ الأطراف، لأنّ مبدأ الاختيار والانتقائية يتعارض مع مبدأ المساواة بين جميع المواطنين. كذلك، فإنّ هذا الأمر يعني إقراراً بوجود نوعين من التعليم على أقلّ تقدير، أولهما للنخب التي سوف تحكم فرنسا غداً وثانيهما لأبناء الشعب العاديين.
بالنسبة إلى عبد العزيز، مشاكله وهمومه لا تنتهي عند هذا الحد. هو ينوي استكمال تعليم ولدَيه حتى التخرّج من الجامعة. ويفكر في تسجيلهما بعد إنهائهما تعليمهما المدرسي في معاهد خاصة بالصحافة والعلوم السياسية والجغرافيا السياسية. ويعلّق على تلك التضحيات الكبيرة التي يبذلها بالقول: "بما أنّ الاندماج الحقيقي للمهاجرين يأتي عن طريق التعليم الحقيقي، سوف أسعى إلى تعليم ولدَيّ، وإلاّ سيظل الآخرون يقودوننا ويتحدثون باسمنا لعقود طويلة مقبلة".


وصال بريقع
بواسطة : admin
 0  0  423
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 07:30 الأربعاء 26 سبتمبر 2018.