18-10-2015 / 10:09
تمويل الجنائية الدولية يكشف عدم مصداقيتها
18-10-2015 / 10:09
بقلم /سيف الدين البشير الملحق الاعلامي بسفارة السودان بجنوب افريقيا

أصبح بذل المزيد من الجهد لتشويه سمعة أفريقيا نشاطاً نمطياً بل وممارسة يومية من قبل وسائل الإعلام الغربية ومراكز البحوث والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني الغربية .
وتكفي المتابعة اليومية لتغطياتها لتجعل الإعتقاد السائد هو أن القارة هي محض أزمات وحروب أهلية ومجاعات وفظائع وانتهاكات لحقوق الإنسان .. وبالمقابل فإن تغطية أية قصص للنجاح في أفريقيا تظل نادرة إن لم تكن معدومة تماماً .
وخلافاً للمعتدين المعلومين منذ احتلال الغزاة الغربيين الذين اقتحموا القارة ، فإن الأفارقة ظلوا حقيقة يعيشون في سلام ، وذلك هو الوقت الملائم لإدراك تلك الحقائق.
صحيح أنه تم أقحامهم في الحروب ودفعوا لها دفعاً، بيد أن الأفارقة ليسوا هم من أشعل حربين كونيتين مدمرتين ، كما أنهم ليس المتورطين حالياً في حروب الوكالة المنتشرة عبر العالم .
وفيما تواصل بعض وسائل إعلام ومراكز بحثية ومنظمات مجتمع مدني أفريقية اعتمادها على ما يرد من الدوائر الغربية على أنها مصادرها الأكثر مصداقية للمعلومات ، فإن القلة من تلك المؤسسات تخيرت أن تنحو سبيلها الخاص .
وأبلغ مثال على ذلك هو الجدل حول مشاركة الرئيس السوداني عمر البشير في القمة الأفريقية التي استضافتها جنوب أفريقيا مؤخراً . فقد انخرطت عشرات التعليقات والآراء والمنتديات طوال الأشهر الثلاثة المنصرمة في غضون تركيز الغالبية منها على مسائل إجرائية في حين تقبلوا القضايا الأساسية على أنها حقائق لا تقبل الجدل.
وللحقيقة فقد كان من مصلحة ذلك الجدل أن يأخذ حيزه هنا في جنوب أفريقيا مع الوضع في الإعتبار سمعتها ووزنها إقليمياً وعالمياً ، وفي الظن أن استمرار مثل هذا العصف الذهني المفتوح بكل عمقه سوف يؤدي بالخواتيم لزعزعة الجنائية وفضح مصداقيتها .
لقد تراوحت القلة من الإنتقادات للجنائية بين ما هو قانوني من حيث عدم اتساق ميثاق روما مع القانون الدولي ، وبين ماهو تطبيقي على أساس أن المحكمة تتصرف بتكتيك تمييزي ، في حين لا أحد ممن انخرطوا في الجدل واجه المسائل الأساسية .
وفيما تعرف نفسها على أنها منظمة مستقلة وعالمية ، فإن الجنائية لا هي مستقلة وليست بعالمية . وفقط يكفي إلقاء نظرة على عدد سكان العالم الممثلين في تلك المؤسسة مع غير الممثلين بها .
وفيما تصف نفسها بالإستقلالية فإن تمويل المحكمة في حد ذاته ربما يحدث عن قصة مغايرة . فالبند ( 116 ) من المادة (12) من ميثاق روما حول المساهمة الطوعية يقرأ : " بما لا يلحق الضرر بالبند ( 115 ) يمكن للمحكمة أستلام واستغلال ما يمثل تمويلاً إضافياً في شكل مساهمة طوعية من الحكومات والمنظمات العالمية والأفراد والمؤسسات والكيانات الأخرى وفقاً للمعايير ذات الصلة التي يتم تبنيها بواسطة الجمعية العامة للدول الأعضاء .
وبالمقارنة فإن البند الثاني من " المبادئ الأساسية حول استقلال القضاء " الذي اعتمد بواسطة الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرارات (40/32) في 29 نوفمبر 1985 والقرار (40/146) في 13 ديسمبر 1985 يقرأ ( يتوجب على السلطة القضائية أن تقرر في القضايا المدرجة أمامها بإنصاف وعلى أسس الحقائق و وفقاً للقنون بمعزل عن أية قيود أو تأثيرات خاطئة أو إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من أية جهة أو لأي سبب كان )
وهو يهرع لقبول حق الإحالة ، حق لأحدنا أن يعجب ما إذا كان مجلس الأمن يدرك صعوبة ضمان (تأثيرات خاطئة أو إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من أية جهة أو لأي سبب كان ) ، واضعين في الإعتبار مفهوم ( أياً من كان يمكن أن يسهم ) كما هو الحال في البند ( 16 ) المذكور أعلاه ! .
أما حجة ( أن أفريقيا هي الكتلة الإقليمية الأكبر في المحكمة بتمثيل يبلغ 34 دولة من دولها هم أعضاء بالجنائية " فهي يمكن أت تدحض ببساطة من حيث كون 34 من بين 54 تظل تمثل جزءاً من كلٍ . و مغايراً لذلك الجزء فإن الإتحاد الأفريقي هو الكيان الذي أسسه الأفارقة والذي يضم كل الدول الأفريقية .
وتتمثل الرؤية العامة للإتحاد الأفريقي وفق تعريفه لها بأنها العمل من أجل (قارةً متكاملةً و مزدهرةً , وتتمتع بالسلام مدفوعة بمواطنيها وممثلة لقوة فاعلة على المستوى العالمي) .
إن مجرد مراجعة أهداف الإتحاد الأفريقي من شأنها أن تفاقم من تقويض دفوع مؤيدي الجنائية ويكفي أن نستعرض بعضها :
إنجاز المزيد من الوحدة والتضامن بين الدول الأفريقية وأبناء القارة .
ترويج وحماية المواقف الأفريقية المشتركة تجاه القضايا المرتبطة بمصالح القارة وشعوبها . ما مواقف الإتحاد الأفريقي تجاه المحكمة الجنائية الدولية فيمكن الرجوع إليها في كل من القرارين الصادرين بتأريخ يوليو 2009 ، وبتأريخ أكتوبر 2013 .
إن من المؤسف حقاً أن يبدو البعض ملكيين أكثر من الملك في تأييدهم للجنائية بغض النظر عن كرامة وتكامل كيانهم القاري الخاص بهم .
أما المزاعم بتسييس العدالة فهي مبررة طالما أن ميثاق روما تبرع بمنح الإحالة لمجلس الأمن الدولي عوضاً عن منح ذلك الحق لمحكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة . وفي حين أن مجلس الأمن في أساس تكوينه يمثل كياناً سياسياً ، فإن محكمة العدل الدولية هي الآلية العدلية الوحيدة للأمم المتحدة . والسؤال هنا ما إذا كان مجلس الأمن الدولي ملزم بقبول تلك المنحة أم أنه عوضاً عن ذلك بإمكانه التوصية بمنح ذلك الحق لمحكمة العدل الدولية أو حتى برفض المنحة من أساسها!.
إن أي من الخائضين في ذلك الجدل لم يمض بعيداً للتحقيق في الأسباب الجذرية للصراعات في القارة بيد أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر فعلها وهو يقول:
( وفوق ذلك فإن ميراث أفريقيا من الحكم الإستعماري قد أسبغ عليها إحتمالات الإنفجار ، والصراعات الإثنية والضعف المريع في التنمية ومشكلات صحية مهينة للكرامة البشرية ) . ويمضي كيسنجر قائلاً :
( ومن هنا فقد أنتجت أفريقيا حروب أهلية وحشية استحالت لصراعات عالمية إضافة لأوبئة أرقت الضمير العالمي )
كتاب د. هينري كيسنجر ( هل أميركا بحاجة لسياسة خارجية ؟.) ( ص 26 )
“Does America need a foreign policy?”(P. 26 )
أما بالنسبة للسودان فهو ليس استثاءً نت تلك القاعدة . ففي مستهل عشرينات القرن المنصرم شرع الإستعمار البريطاني ما عرف بقانون المناطق المقفولة ، والذي حدد مناطق في السودان يحظر القانون السودانيين والأجانب من دخولها دون إذن مسبق، وقد شمل القانون دارفور وجنوب السودان وجبال النوبة ، ليحرم البلاد من التواصل الطبيعي كشرط لازم لبناء الدولة .




وجدان


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في كيم فيسبوك


بقلم/سيف الدين البشير