• ×

/ 08:56 , الثلاثاء 14 أغسطس 2018

التعليقات ( 0 )

اثيوبيا وإريتريا.. أطفأتِ النارَ أزهارُ الجلنارِ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لو تيسر لك أن تجلس الى الرئيس الارتيري أسياس أفورقي فأنت أمام مثقف عميق كثيف التجربة حاضر الذهن ثاقب النظرات، وأمام سياسي يقظ عالي الحساسية شديد الوعي بحركة العالم منخرط بالتمام في أحوال الأقليم، وإذا كنت على وجه الخصوص سودانياً فسينصرف إليك بكل ما يملك من اهتمام وستغفل بالتمام مدى إنخراطك معه في الكلام من أنك تتحدث إلى غير مواطنك بل هو كذلك لولا أن سادة العالم لقرون رسموا الحدود.

لو أسرفت في الحديث عن الاسلام وأنت مسؤول من بلاد العرب فسيذكرك الرئيس بأن ( الاسلام دخل إرتيريا قبل أن يصل المدينة المنورة)، وإذا كنت مسؤولاً من السودان وأسرفت الحديث عن العرب فسيطلب منك بهدوء أن تمعن النظر في إهابه لترى أينا يبدو إلى العرب أقرب رحماً، وإذا جاء السؤال عن الديمقراطية والانتخابات فسيستشهد فوراً من قريب بأمثلة ماثلة في الأقليم إنتهت فيها الانتخابات بمثول قادة الأحزاب أمام المحكمة الجنائية الدولية في أعقاب تبادل الاتهامات بالتزوير ثم تظاهرات الاحتجاج ثم فضها بالعنف والقتل.

قريب من هذا الحضور الثوري، حضور أكثر هدوءً إذا تيسر لك أن تسمع الرئيس الأثيوبي الراحل ملس زيناوي، وقف بقاعة الصداقة بالخرطوم يقول: في البرتكول يتحدث الرئيس في المختتم، لكن دعوني أخرق هذا التقليد وأبدأ في تقديم البرفيسور جعفر ميرغني، فلو أمتد بي العمر عقب ترجلي الوشيك من مقعد رئاسة الوزارة فسأفرغ بالتمام لرعاية الدراسات المعنية بالوشائج الثقافية لهذا الاقليم، العمل المجيد الذى يواصله هذا البرفيسور بدأبٍ وصبر جميل، نحن أقليم واحد واسع ثري ونحتاج أن نعرف ذلك بعمق. كان ذلك ضمن إحدى زياراته الرسمية للخرطوم نحو ختام العقد التسعين والتي صحبه فيها العالم جعفر ميرغني شمالاً الى النقعة والمصورات ثم الى البجراوية وإهرامات جبل البركل.

طيب أن تسمع رئيس إفريقي يذكرك بهجرة المسلمين الأولى الى الحبشة، وقد خلد القرءان مضامينها وجوهرها وإن لم يذكر قصتها وأحداثها كما فعلت السيرة، فقد قصّ أحسن القصص بوجوه لم تأت في الانجيل السرياني الذي تتطابق معه معظم آيات أهل الكتاب، وحملتها كتب الإنجيل الأثيوبي عن الصديقة مريم عليها السلام، وأن السورة الخامسة من القرآن تحمل اسم المائدة تطابق ذات اللفظ والمعنى في الأثيوبية القديمة ( كائيدا)، وطيب الى حد الدهشة أن يبشرك الوزير الأول في بلد الحضارة الأقدم أنه سيفرغ الى الثقافة فور وضعه لهموم السياسة.

وفي الكفاح الصميم نحو التحرير اختار الصحفي الأميركي دان كونل الذي تابع الثورة الارترية يوماً بيوم عنواناً ملفتاً لكتابه (في مجابهة المعضلات كافة)، إذ كان أول سرد يسمعه العالم عن تلك الملحمة النضالية التي مكنت شعباً أعزلاً من جلب نظامٍ دعمته الولايات المتحدة الأمريكية ثم الاتحاد السوفيتي على التوالي جاثياً على ركبتيه، كما جاء في تقديم الكتاب، أو كما وصفه المفكر الكبير نعوم شاموسكي : إنها قصة ملهمة في البسالة والصمود والإنجاز والأمل ودرس بليغ جدير بأن يتعلم منه الناس. لقد اعتبر دان كونل أن نجاح الثورة الارترية المعجز يعزى الى النسيج المتنوع الذي أذاب فيه قادة تلك الثورة شتات المجتمع الارتيري الذي هو نصف مسيحي ونصف مسلم، تتقاسمه تسعة أصول إثنية، وهيأته من ثمّ أن يحمل المبادئ والقيم الإنسانية التي وسمت أزمنة الحرب الى زمن السلم لتكون أصولاً يؤسس عليها نهضة مستدامة.

أما في أثيوبيا فقد شهدنا قدوةً ومثالاً نادراً في حمل مبادئ الثورة الى أزمنة السلم والحكم، أن تغادر المنصب عين أوان المغادرة مشكوراً مبروراً. يخطئ المحسنون كثيراً حينما يتوهمون أن التاريخ لا يسير بغيرهم، فيتشبثون بالمقاعد حيث ينبغي أن يغادروا. التجرد مبدأٌ قريب ميسور في أزمنة الحرب والنضال، عسير أوان السلم والمناصب والجاه، لكن كثير من قادة الكفاح الأثيوبي إختاروا أول ذلك العهد أن يفسحوا المجال للجيل الأصغر من شباب الثورة الذين قاتلوا كالبنيان المرصوص حين القتال، وأضحى مهماً أن يستقوي بهم صف السلام حين النصر والفتح وتدفق الناس أفواجاً، وهي بطبيعتها تحمل الصالح والطالح. من أولئك "سباحات نقا" الذي عهد بالمسؤلية لجيل ملس زيناوي وهو في أول العقد الخمسين، ومنهم زيناوي نفسه الذي حدثنا بما كانت تحدثه به نفسه أن يفرغ من السياسة الى الثقافة ومن الدولة الى المجتمع، ومنهم ديسالين الذي ما زالت كلماته تقرع قلوبنا: "إن استقالتي ضرورية حتى أفسح المجال لحل يجلب للبلاد الاصلاحات الملحة والسلام الدائم والديمقراطية". صدق ديسالين في موقفه قبل كلامه وفي كلامه قبل موقفه، فأثيوبيا أرض صدق منذ كلام النبوة القديم ولحين أوان ديسالين، فما الصدق إلا أعلى أخلاق الحضارة.

وكما صدق ديسالين وهو يصف حاضره صدق نبؤته في المستقبل، إذ جسد أبي أحمد رئيس الوزارة الذي حل محله أحلامه كافة في قيادة تحمل الحاضر إلى المستقبل، فأبي أحمد بشخصه يمثل التنوع الدقيق الذي يسم أثيوبيا بأكثر مما يظن العجلون فينسبونه لمجرد اسمه الى الاسلام أو المسطحون الذين يربطون مجيئه بالإنتصاف لأقلية الأرومو الغالبة عدداً، فمشهد الوداع بين الرئيس المغادر والرئيس القادم لا يذكرنا أبداً بمشاهد القارة القارة لدينا والتي ظلت تحملها لنا التلفزيونات منذ حين، أعني مشاهد إقتحام الأبواب وإفزاع الأسر وإنتباه الرؤساء بملابس النوم وقد روعتهم لعلعة الرصاص. منظر ديسالين وأسرته وأبي أحمد وأسرته ذكرنا بمشاهد الوداع بالبيت الأبيض وليس القارة السوداء.

وكما يرتكب القادة العظام أخطاء عظيمة سنة الله في الذين خلوا من قبل، تندفع الشعوب بعد الثورات المجيدة في العنف وعهود الإرهاب وتدفع بفلذات أكبادها الى المقصلة، كما دفعت ذرية الأنبياء بأخيهم الأصغر الأجمل الى غيابة الجب. فقد اتصلت الحرب بعد الكفاح المشترك الطويل بين أثيوبيا وأرتيريا، أرتيريا كأنها تستأنف حرب التحرير بعد أن إستشعرت أنها تحاصر في لقمة العيش، وأثيوبيا يمنعها لا شعورها ألا ترى أرتيريا ألا أخاً أصغراً يؤمر فيطيع. وقد تلجلج الأقليم الافريقي يومها والى حين المصالحة القريبة بين المحورين، كما يتلجلج الاقليم العربي اليوم، ولكن أبي أحمد اختار سبيل الصالحين، فذكر أيام الجفاء في أيام الوفاء جفاء، مضى أبي أحمد إلى أرتيريا كأن لم يكن، ذكرنا كذلك مشهد أسياس وهو يوزع بسخاء الابتسامات على ضيوفه مع القهوة، كذلك بتقاليدنا التي تجمع بين الإمامة والزهد بين الرئاسة والتواضع.

ولولا أن القادة العظام يتوبون من قريب بتجربتهم أو بفطرتهم، فيستشعرون معاناة شعوبهم ويصيح فيهم نداء من دواخلهم أن كفى كفوا أيديكم، فيجيبون أحسن إجابة، ما قام إليهم العالم يعينهم ويمهد لهم الطريق، جهود القاهرة والرياض وأبي ظبي المبرورة المشكورة جاءت لأن الأثيوبيين والأرترين أصلحوا أمرهم بنية صادقة خُلق الحضارة الذي أشرنا اليه، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، سنة ثانية من أقدار الله في التاريخ، وسنة ثابتة مهما اشتدت مؤامرات المتآمرين ومهما دقت مكائد الكائدين، لولا أن في المؤامرة عزاءٌ للفاشلين وهاجس أثير يعشقه الموسوسون.

تحدونا تجربة أثيوبيا وآرتريا أن نتطلع بأمل الى سلفا ومشار، أنهما سمعا النداء واستجابا له بأحسن وجوهه، فدولة الجنوب إذ ولدت بأسنانها أعملتها في عملية عض الأيدي كما أعملت سواعدها في كسر عظام نفسها، فقد ولدت من رحم دولة في مقدورها أن تعينهم حتى يستووا على أقدامهم، فمهما تكن مرارة الفطام ففصاله في عامين، وهي محاطة بإقليم صديق ولدى عالم استبشر بها وقد جاءت على كبر من أحلام الامبريالية المسيحية، فقبل أن أكمل هذا المقال رجّ أبي أحمد العالم بتصريح آخرٍ عظيم: "أن لا بد من الديمقراطية" ذلك نداء المستقبل تصيخ اليه أفئدة الذين وعوا، وحريٌّ برياك مشار وسالفا كير أن يسمعوه بأوضح مما سمعه أبي أحمد، فقد تهيأت الانسانية في طريق حرية الانسان وكرامته وعدله وكفايته ولات حين مناص.

بقي أن أقول أن الجلنار هو زهر الرمان الثمرة التي تنتظم هذا الاقليم، تزهر الثمار إذا وضعت الحرب أوزارها كما يثمر سائر الزرع والضرع، روح وريحان وجنة نعيم.

بواسطة : المحبوب عبدالسلام
 0  0  32
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 08:56 الثلاثاء 14 أغسطس 2018.