• ×

/ 23:48 , الأربعاء 14 نوفمبر 2018

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات .... جنوب السودان البحث عن استراتيجية الجوار الامن‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
من الشرق الى الغرب وفي خطوط فاصلة اكثر تعرجا كحال العلاقات السياسية بينهما تمتد الحدود بين السودان الوطن الكبير والدولة الوليدة في جنوب السودان في خط حدودي يعتبر الاطول من بين دول الجوار السوداني كما انها الحدود الاكثر سوءا في الاستقرار الامني بالمنطقة والاقليم على الاطلاق وقد لعب الصراع المسلح بجنوب السودان باختلاف ايديولوجياته دورا بارزا في التوتر على الحدود الفاصلة بين الدولتين ولعل من بين اسباب تصاعده ومآلاته التركيبة القبلية والعرقية لسكان جنوب السودان التي انعكست على عدم اتفاق الفصائل المقاتلة بالجنوب قبل وبعد الانفصال حيث كان وظل ولائها للقبيلة دون وجود اهداف وثوابت وطنية مشتركة تصب في مصلحة قضية جنوب السودان نحو بناء ركائز الدولة المدنية المعاصرة .. كما ان المصالح الدولية والاقليمية واجنداتها في تقديم الدعم بالسلاح والتدريب وتقديم السند السياسي لكل فصيل دون الاخر ليس ايمانا منهم بقضية جنوب السودان كشعب ولكن وفق نظرة تضارب المصالح مع الحكومات السودانية المتعاقبة وخاصة في محور دول الجوار .. وايضا تاثير الرواسب التاريخية التي خلفها المستعمر وتمكنه من وضع متاريس وجدر من عدم الثقة بين شعبي جنوب وشمال السودان ونظرة المواطن الجنوبي للمواطن الشمالي نظرة المستعمر البديل بعد استقلال الوطن الكبير .. وقد لعبت طبقة المتعلمين والمثقفين الجنوبيين دور الفاعل الرئيس في تاجيج الصراع لتبنيهم خيار الحل العسكري اكثر من الحلول السياسية في تعاطيهم مع ازمة جنوب السودان حيث ظل الدعم العسكري مصدر من مصادر الثراء لتلك القيادات .. بجانب انقسام الحركات المسلحة الى مجموعات وفصائل وتشظي تلك الحركات الى عدد من الالوية والكتائب التي تختلف في ولائها
حسب وجهتها في طلب الدعم العسكري والسياسي .. وقد دفع كل ذلك الى "الفعل" المتمثل في ايواء الحركات المسلحة وتقديم الدعم ومنصة الانطلاق للقيام بعمليات عسكرية داخل العمق في شمال السودان ونشوء "رد الفعل" من باب المعاملة بالمثل داخل العمق الاستراتيجي في جنوب السودان من قبل الشمال ..
الخلفية السياسية الفكرية والتاريخية لميلاد الحركة السياسية الجنوبية الاولى كان قائما على تلك الظروف مما وسع من تنامي قاعدة الشك والريبة من نوايا الشمال تجاه الجنوب وتولد لدى التنظيم السياسي الجنوبي انذاك الرغبة السالبة في التعبير عن ارادة الجنوبيين ودفعت هذه التصرفات والسياسات الشمالية واستغلال الانجليز لها الى ازدياد شكوك الجنوبيين وتعميق قناعاتهم بان الجنوب مقبل على مستقبل غير مامون عقب الاستقلال ودفعتهم نحو التوحد والتكتل الذي تحول الى تنظيم سياسي منحرف في الفترة التي سبقت انتخابات العام ١٩٥٣م .. لم يكن الامر مستغربا ان تولد الاحزاب والقوى السياسية الجنوبية في هذا الوقت متوائمة مع تطلعاتهم الوطنية وحتى الاحزاب التي تولدت وانشقت من ذلك التنظيم الاول كانت تحمل معها كل بذور الخلافات والانشقاقات القائمة على محاور الوحدة غير المشروطة مع الشمال او الفيدرالية او الانفصال التام وقد تم التعبير عن تلك المحاور في مؤتمر المائدة المستديرة في عام ١٩٦٥م ولكن هناك قوى سياسية جنوب سودانية نادت مبكرا بحق تقرير المصير وطالبت باجراء استفتاء بين اهله ليقرروا ان كانوا يرغبون في وحدة دون قيد او شرط او في حكم محلي او فدرالي او هم يرغبون في الانفصال عن الشمال وكان مطلب حق تقرير المصير قد برز في مؤتمر جوبا انعكاساً لرغبات الجنوب وامانيه في ذلك المؤتمر على اقتراع الاستقلال في ديسمبر ١٩٥٥م ..
يعد التاريخ السياسي من الملفات المهمة لفهم طبيعة مازق الدولة في جنوب السودان حيث تضافرت مجموعة من العوامل علي تقسيم السودان معنويا قبل ان يصبح حدوديا حيث عملت السياسات الاستعمارية علي اظهار وتغذية الاختلافات الاثنية واللغوية والعرقية والدينية وفرقت في التعامل مع الجنوب والشمال في قضايا اهمها التعليم فبدات تظهر الاختلافات الثقافية وساد اعتقاد لدي الاوساط الاهلية في الجنوب ان الشماليين هم تجار رقيق .. مما زاد من نزعة الحركات الاجتماعية القبلية بالجنوب وصارت اكثر رسوخا من المؤسسات السياسية مقابل نمو الحركة السياسية الوطنية بالشمال بينما ظلت في الجنوب محدودة ومنغلقة على المعطيات الاجتماعية القبلية ..
لعبت الاحزاب السياسية عامل اساسي في تحريك المجتمع وقد كان للاحزاب الجنوبية اثر في تعميق ازمة جنوب السودان لعدم اتفاقها على مشروع سياسي موحد بخلاف الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي نالت الدعم السياسي لوجود جناحها العسكري وكسبه اراضي سميت بالمحررة نتيجة فرض السيطرة العسكرية والسياسية عليها .. وقد كان للاثر التاريخي السالب للاحزاب السياسية الجنوبية دور متعاظم في المأزق الذي تعيشه الدولة الوليدة في جنوب السودان الان مما جعل الحركة الشعبية بجنوب السودان تنفرد بمفاصل الحكم والدولة وايضا المجتمع وذلك لاعتمادها البشري على قبيلة "الدينكا" وارتكازها على القوة العسكرية مما اثر في نشوء دولة ورثت نظام سياسي اعتمد على تاريخ سياسي ضعيف ومتهالك انتج دولة ضعيفة تتصارع على السلطة وفق تقسيمات قبلية واثنية تفتقد الى وحدة الهدف السياسي ورؤية المصير المشترك وصارت تهدد الامن الاقليمي للمنطقة خاصة في الدولة الام "السودان الشمالي" ..
ادراك الدولة "الام" لمتطلبات "الجوار الامن" هو مادفع القيادة السياسية في البلاد لرعاية اتفاق يمهد للتعايش على الحد الادنى بين الفرقاء الجنوبيين فمن اهم متطلبات امن الحدود بين السودان وجنوب السودان هو الاستقرار السياسي بين المكونات القبلية .. لان القبيلة في الجنوب هي جوهر التكوين السياسي والعسكري وهي المتحكم الفعلي في مفاصل الحكم ودواوين الدولة .. وكذلك ادراك الحكومة السودانية ان من اهم "محفزات الجوار الامن" سيادة الامن والاستقرار والكف عن دعم الحركات المسلحة من كافة الاطراف مما يتيح انسياب التبادل التجاري والنفطي وينعش اقتصاد الدولتين المنهك .. ولكن يبقى التحدي في استدامة "الجوار الامن" بين الشمال والجنوب هو "الضمانات" التي تؤثر في استمرار العملية السلمية في جنوب السودان واهمها بناء جدار الثقة بين اطراف النزاع المختلفة ..

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  58
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 23:48 الأربعاء 14 نوفمبر 2018.