• ×

/ 13:16 , الأربعاء 26 سبتمبر 2018

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات .... الموازنة والميزانية .. جدلية التخطيط والتنفيذ‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
مدخل: لماذا عَبَرْت ميزانية ولاية الخرطوم وتعثرت ميزانية الحكومة الاتحادية ؟؟ ..

"الموازنة" خطة تقديرية تمثل اقصر مدى في عمليات التخطيط الاقتصادي اذ لايتجاوز مداها حدود البرنامج او المنشط المستهدف وفي غالب الاحوال لا يتجاوز عمرها العام يسمى "السنة المالية" ولكنها ليس معزولة في اطارها الكلي عن خطة استراتيجية متوسطة او طويلة المدى تعمل على هداها وتاتمر بموجهاتها .. وعلى مستوى التخطيط الاقتصادي في الدولة ومؤسساتها تعتبر "الموازنة" بمثابة الخطة المالية التي تضعها لتهتدي بالسير بها في العام القادم وتحدد فيها كافة تفاصيل نفقاتها المالية ويتم اصدارها بقانون رسمي من قبل السلطة التشريعية وتصنف "الموازنة" ضمن قوائم الخطط المستقبلية قصيرة المدى تعنى بالعام القادم وتتضمن ارقام تقديرية للانفاق والمصروفات والموارد والاموال التي تحتاجها جميع وزارات ومؤسسات الدولة على مدار العام لذلك تعتبر "الموازنة" خطة تعد من قبل الدولة استعدادا لعام مالي جديد ..
اذا كانت "الموازنة" هي القاطرة ف"الميزانية" هي "الخط الحديدي" الذي تسير عليه عجلات القطار فهي نفاذ لتقديرات النفقات المالية التي اقترحتها وخططت لها الموازنة العامة للدولة بكافة وزاراتها ومؤسساتها لذا هناك اختلافا جوهريا بين "الموازنة" و"الميزانية" .. ف"الموازنة" خطة تقدر تقديرا وتوضع قبل بداية العام وتستخدم كاداة رقابية على العمل وتعتمد على التخطيط الصحيح لما سيتم انفاقه في العام القادم بينما "الميزانية" تمثل البرنامج التنفيذي لاقرار خطة "الموازنة" لمعرفة ما حققته من ايرادات وانفاق عام للدولة ومن ثم مقارنتها بالموجهات والاهداف والسياسات التي وضعت في "الموازنة" ..
ازداد اللقط والحديث حول سلامة مسار الخطة الاستراتيجية التقديرية ل"موازنة" الدولة للعام الجاري ٢٠١٨م ولم تتضح اشكالياتها الا بعد ان دخلت في طور التنفيذ واصبحت "ميزانية" معتمدة بعد اجازتها من السلطة التشريعية القومية حيث طفت الى السطح اسقاطات كادت ان تعصف بخطة "الموازنة" العامة باكملها .. كان اكثرها قسوة "ارتفاع نسبة التضخم بصورة غير مسبوقة، شح في السيولة وعرض وتداول النقود، مشروطية عمليات الاستيراد، غلاء فاحش في الاسعار وازمات متلاحقة في الوقود والغاز" .. ومن خلال التحليل للموقف الراهن بعد قرب انقضاء النصف الاول من "الميزانية" يتضح ان الاشكالية الرئيسة لتعثر الميزانية ليس في فحوى الخطة "الموازنة" انما في التقديرات التي بنيت عليها الخطة خاصة فيما يخص الافراط في التفاؤل حول احراز تقدم ايجابي على مستوى البيئة الخارجية بعد مرحلة رفع الحصار الامريكي المفروض على السودان .. التوقعات التي بنيت عليها خطة "الموزانة" كانت تتطلع للاستفادة من الفرص التي يتيحها رفع العقوبات الامريكية مثل انسياب الواردات وتحفيز الصادرات وانفتاح منافذ التمويل العالمية وهو ما لم يحدث بل حدث العكس اذ لم تزل "العصا" مرفوعة ولم تظهر "الجزرة" .. على الرغم من ان الخطط البديلة التي طرحتها الحكومة خلال النصف الاول خففت من مترتبات الهزة الارتدادية نتيجة عدم صدقية توقعات خطة موازنة العام ٢٠١٨م .. فكانت اولى تلك الخطوات التي اتخذتها الحد من ارتفاع سعر الصرف للجنيه امام العملات الاخرى ولولا تلك الاجراءات كان مرشحا ان يتخطى الجنيه حاجز ال ٢٠٠ في حال لم تتدارك الحكومة الموقف ..
على الرغم من ان موجهات خطة الموازنة العامة للدولة تتنزل كمرجعية في اعداد خطط الموازنة بالولايات الا ان الملاحظ حدوث استقرار نسبي في مسار ميزانية حكومة ولاية الخرطوم "اكبر ميزانية في البلاد على مستوى الولايات" حيث تاتي في المرتبة الثانية بعد الحكومة الاتحادية والسؤال الملح لماذا عبرت ميزانية ولاية الخرطوم وتعثرت الميزانية الاتحادية ؟؟ .. مما عزز عبور ميزانية ولاية الخرطوم بسلام الى بر الامان في ظروف اكثر قسوة تحملتها الولاية نتيجة اسقاطات الميزانية العامة على المستوى الاتحادي هو تاسيس خطة "موازنة" الولاية وفق بناء استراتيجي محكم يستند على مؤشرات واقعية صادقة اعتمدت على تحريك منظومات انتاجية لاسناد خطة "الموازنة" في مرحلة التنفيذ وكذلك ابتعاد الخطة المشتركة بين وزارة الشؤون الاستراتيجية والمعلومات ووزارة المالية والاقتصاد وشؤون المستهلك بالولاية عن الاحلام والنرجسية والناي عن تمويل الميزانية من مصادر ايرادية غير حقيقية كمبيعات الاراضي وغيرها من مصادر التمويل المصرفي غير المتكافئ بالاضافة الى عدم التعويل على فرضية تحسن البيئة الخارجية بعد رفع الحصار الامريكي دون مؤشرات ملموسة او ضمان تنفيذ تعهدات المجتمع الدولي في تقديم العون الخارجي لدعم الميزانية في اعقاب رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية عن السودان وقد اثمرت التوقعات المنطقية في اعداد "موازنة" ولاية الخرطوم عن انخفاض ايجابي في معدل التضخم وفق معايير القياس بالجهاز المركزي للاحصاء اعتبارا من الشهر الثالث في ميزانية العام ٢٠١٨م مما يعد مؤشر لنجاح خطة "موازنة" الولاية مقارنة مع خطة موازنة الحكومة الاتحادية .. ويعود التقدم الايجابي في ميزانية الخرطوم الى انطلاق خطة لتنمية وتطوير الايرادات عبر جهاز التحصيل الموحد للموارد الذي ادى دورا مفصليا في تطوير العملية الايرادية من خلال توجيه وتشجيع الانتاج المعرفي في مجال تطوير الموارد وتوسيع المواعين الإيرادية وتطوير قدرات العاملين وإستعمال التقنيات الحديثة والتطبيقات الذكية من اجل حوسبة العمل في الوزارات والمحليات حيث استطاع هذا الجهاز في فترة وجيزة من وضع حلول ناجعة باتقان عمليات حصر هذه المواعين وتجويد عملية التحصيل علي نظام الخزينة الموحدة حتى انعكس ذلك ايجابا في الموارد المهدرة مما حقق نموا بنسبة ٣٦% على مستوى الربط المقدر للموارد في خطة موازنة العام ٢٠١٨م بجانب الاجراءات المحكمة لخلق سوق موازي لكبح جماح ارتفاع الاسعار عبر ١٩٤ موقعا للبيع المخفض في كافة محليات الولاية ..
لم تكن الحكومة الاتحادية قد اخذت في حسبانها توقعات عدم وفاء المجتمع الدولي بتعهداته بعد فصل جنوب السودان ولا بعد انقضاء مرحلة الحوار الوطني ولا النظر بعين الاعتبار لمجهودات الحكومة الايجابية في مكافحة الارهاب ولا المساهمة الضخمة في معالجة ملف الهجرة غير الشرعية العابرة .. وعلى الرغم من ذلك افرطت الحكومة الاتحادية في رفع سقف التمنيات عن تعاون سلس بينها والمجتمع الدولي بعد رفع العقوبات الامريكية عن السودان دون اختبار تجريبي .. ولولا الخطط البديلة التي اقرتها الحكومة الاتحادية بعد بدء تنفيذ خطة الموازنة العامة لحدث انهيار تام في الاقتصاد الكلي للدولة .. نمو الاقتصاد يمثل عامل اساسي في التفاف الناس حول الحكومة لاعتبارات اجتماعية واستراتيجية وسياسية واحراز تقدم في مجال الاقتصاد يصحبه مزيد من السند والتاييد لسياسات الدولة لذلك يجب ان تحذو الحكومة الاتحادية منهج ولاية الخرطوم في التخطيط الواقعي لتقديرات الموازنة عبر خطة لتطوير المنظومات الانتاجية بمنع تصدير المنتج الخام الاولي .. ولابد من إيجاد قيم اضافية تضاف الى الصادرات مثل "بودرة" الصمغ العربي .. ومنع تصدير اللحوم الحية والافادة من مخلفات الذبيح من جلود وغيرها وذلك لسد الفجوة في احتياجات البلاد من العملات الصعبة وتجاوز مرحلة تحديد سعرين للعملة الاجنبية مقابل المحلية "تاشيري .. موازي

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  99
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 13:16 الأربعاء 26 سبتمبر 2018.