• ×

/ 13:04 , الجمعة 25 مايو 2018

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات ... الملف النووي الايراني .. انموذج للابتزاز السياسي الامريكي ..‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الرئيس الامريكي المثير للجدل "دونالد جي ترامب" جسد نوعا مريبا من الابتزاز السياسي يرقى وصفه الى حد "القرصنة" التي تمارسها عصابات المافيا وتجار المخدرات .. والشاهد على ممارسة ذلك النهج التعامل الغير اخلاقي في ازمة الخليج مؤخرا "التوقيع مع من يدفع اكثر" وبكل "بجاحة" ودون "مواربة" استخدم نفس النهج مع السودان مقابل الرفع الكامل للعقوبات التي لم يظهر لها اثر حتى الان غير مزيد من الاستنزاف والتنازلات وابرام الصفقات الاقتصادية للشركات الامريكية في مجال النفط والتعدين بعقود مجحفة اضافة الى رغبة واشنطون في اقامة قاعدة عسكرية في حدود السودان مع دولة جنوب السودان انتظارا واملا لتنفيذ وعود زائفة للتطبيع .. ممارسة الابتزاز السياسي والاقتصادي مقابل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب لم يعد مجديا - ليس لسبب غير انه لم يعد للسودان المزيد الذي يقدمه قربانا من اجل الرضاء الامريكي الجاحد في سبيل الحصول على المصالح الاستراتيجية ولو كان ذلك يتعارض مع الاخلاق والمبادئ والانسانية ..
الملف النووي الايراني اتفق او اختلف حوله الخبراء الاستراتيجيون لكنه حق مكفول تمارسه كثير من الدول من بينها الولايات المتحدة الامريكية نفسها غير ان اذدواجية المعايير التي تسود العلاقات الدولية جعلت منه امرا محرما على البعض وحلالا على البعض الاخر ذلك حسب درجة الرضاء وسط الاحلاف السياسية والاستراتيجية الدولية .. الاتفاق النووي الذي توصل اليه الرئيس الامريكي السابق "اوباما" لايعد اتفاقا ثنائيا بين الولايات المتحدة الامريكية وايران بل يعد اتفاقا دوليا للتوافق الذي تم بين اطراف الاتفاق التي تضم الى جانب امريكا كل من الاتحاد الاوربي وروسيا وحتى الامم المتحدة وذلك لما فيه من مصلحة لجميع الاطراف دون استثناء .. لكن يبدو ان عقلية "رجل الاعمال" مازالت تسيطر على سلوك الرئيس "ترامب" اذ لم يذكر من الفوائد التي تحقق اهدافا استراتيجية من الاتفاق تلتزم بموجبها "طهران" من وقف تنقية المياه الثقيلة وتخصيب اليورانيوم بنسب مؤوية تصل الى قرب انتاج القنبلة النووية - لم يذكر منها غير ما دفعته الولايات المتحدة الامريكية لايران من تعويضات مالية مقابل التوقف عن اي تطوير لتخصيب اليورانيوم لمدة اقصاها ١٥ عام وبنسبة نقاوة لاتتجاوز ال ٥% وتلك العقلية "النمرودية" ل"دونالد ترامب" هي التي جعلته يلغي اتفاق "دولي" يجنب العالم كثير من المهالك والصراعات في منطقة الخليج والشرق الاوسط ويحد من الاطماع والتحركات الايرانية في المنطقة .. ولكن يبدو ان هناك اهدافا خفية يريد "ترامب" تحقيقها لممارسة هواية "الابتزاز" و"القرصنة" للحصول على اموال من دول الخليج مقابل حماية مزعومة من خطر ايراني محتمل عليها وايهامه لهم بالغرق في مياه الخليج اذا لم يتسابقوا في دفع "الاتاوات" ..
لضمان حفاظها على مصالحها في اعقاب التحرر والاستقلال ابتكرت القوى الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة الامريكية استراتيجية الاستعمار غير المباشر للشعوب المتحررة من قبضتها كانما "خرجت بالباب وعادت بالشباك" ولم تجد تلك القوى وسيلة لاعادة تلك القبضة الا عبر نظريات "التبعية والهيمنة والسيطرة" التي تقوم على قاعدة تحكم دول المركز على دول المحيط مع بقائها هيكليا في حالة تبعية مستمرة مع بناء جدار عازل بين الدول المتحررة وحرية اتخاذ القرار السياسي بمعزل عنها مما يودي الى ضعف انتاج القرار السياسي المتوازن لدول المحيط ومولاة الامريكان في كل توجهاتهم السياسية والاستراتيجية ونصرة الاحلاف التي يقفون على زعامتها .. اما من الناحية العسكرية فان التبعية تضمن ل"واشنطون" حيادية دول المحيط في المساندة العملياتية واللوجستية والبشرية لاي مواجهات عسكرية مع اعداء محتملين هجوما او دفاعا وفي الغالب لاتكتفي بحياديتها فقط بل تفرض عليها المشاركة الميدانية معها في عمليات القتال ..
ترجع التبعية الى فترة الاستعمار القديم واستمرت على شكل هيمنة حديثة بالتبادل غير المتكافئ اي استغلال دول الضغط لخيرات وثروات ومقدرات دول المحيط ضمن آليات محددة فبلدان المحيط مجبرة على تزويد سوق المركز بالمواد الخام الاولية ومجبرة على فتح اسواقها لراس المال المضارب وفرض المركز لمنظومة من القوانين المالية والفنية بهدف عولمة السوق والهيمنة عليه ووضع قوانين للمصارف لحرية حركة رؤوس الاموال وحرية الاستثمار منها واليها وكذلك السيطرة على حقوق الملكية الفكرية واقتصاد المعرفة وامتلاك توجهات منظمات المجتمع المدني وغيرها بما يؤبد تبعية دول المحيط ضمن معادلة سيطرة المركز على أسواق دول المحيط وتحديد شكل تطورها اضافة الى عرقلة حجز ومنع نقل التكنولوجيا من المركز إلى دول المحيط وتعريض البلدان التي تسعي لتطور التكنولوجيا لعقوبات اقتصادية وتجارية وعسكرية كمثال "إيران وكوريا الشمالية وروسيا والسودان" وتحديد طريق وشكل تطور تلك الدول بما يخدم مصالحها اضافة الى سرقة العقول والكفاءات منها لصالح تطور وبناء قدراتها وخلق نخب محلية تابعة لسياساتها في تعمل على تزييف الوعي الجمعي لمجتمعاتها لصالح الوجود المستمر والرعاية بالوكالة ..
بلامنازع تعد الولايات المتحدة الامريكية على راس قائمة الدول التي تمارس "السيطرة" المؤدية الى الابتزاز السياسي القهري وهو نوع غير مباشر للاستعمار الذي ينقص السيادة الوطنية وظلت "واشنطون" تنتهج استراتيجية "القيادة الجيوسياسية" على الدول المسيطر عليها باستخدام القوة الناعمة والخشنة بدلا عن السيطرة العسكرية المباشرة .. وذلك عبر الضغوط السياسية والتضييق عبر المنظمات الدولية وتاجيج الصراعات الاثنية والعقدية بين السكان المحليين واستقلال التباين في الاعراق وتوظيفه لصالح اشعال الصراعات المسلحة وتقديم الدعم المالي والعسكري لحركات التمرد علي السلطة المركزية وفرض الحصار والعقوبات الاقتصادية الاحادية لاضعاف الاقتصاد وتدني معدلات النمو وتاليب دول الجوار الاقليمي ومدها بالدعم العسكري والمالي لاشعال الحرب بالوكالة عنها وتقسيم الدول ذات السيادة الى عدة دويلات تناصر احداها الدولة الكبرى كمدخل للصراعات الداخلية بين ابناء الوطن الواحد الذي كان وتفتيته إلى كيانات جهوية ومناطقية يضعف من خلالها الولاء للدولة الموحدة ..فهل سيظهر "منطق" القرصنة والابتزاز السياسي ضمن السلوك الامريكي الذي يتحكم في الاستراتيجيات الدولية !!

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  30
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 13:04 الجمعة 25 مايو 2018.