• ×

/ 13:39 , الأربعاء 26 سبتمبر 2018

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات .... استراتيجية "الوقت" في مفاوضات سد النهضة‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يؤدي عامل الوقت دورا مهما لدى اطراف التفاوض حول تداعيات انشاء اثيوبيا لسد النهضة .. ولكل طرف اجندته الخاصة التى يبني عليها استراتيجيته في التفاوض لتحقيق مكسب ميداني في ارض الازمة .. ولكن اتفق الخبراء الاستراتيجيون على ان عامل "الوقت" كسبا او تاخيرا يعد امرا تمشي على حبله اطراف التفاوض الثلاثة " اثيوبيا .. "مصر" .. "السودان" .. فمثلا "اثيوبيا" تسابق الريح لحشد الموارد وتوفير كل معينات الدعم اللوجستي والسند السياسي والاقتصادي مع العزف على وتر توحيد رؤية الجبهة الداخلية لاتمام بناء السد في فترة زمنية وجيزة اي قبل الوقت المحدد لانجازه والبدء في تعبئة بحيرة السد بالمياه لانتاج الطاقة الكهربائية .. لذلك تستخدم استراتيجية "كسب الوقت" لفرض سياسة الامر الواقع التي توفر لها غاية اخذ زمام المبادءة وتحقق اهدافها من الحصول على اعلى النتائج في السقف التفاوضي .. الموقف المصري على النقيض من "اديس اببا" في طاولة التفاوض فهي تستخدم استراتيجية "كبح الوقت" للوصول الى مرحلة الاقصاء وترى ان اطالة امد الازمة قد يؤثر في تحقيق نتائج ايجابية بشان الانفراد الثنائي مع "اثيوبيا" بمعزل عن "السودان" .. اما "الخرطوم" في محور "استراتيجية الوقت تتخذ مبدأ المناورة والتكتيك لتحقيق نتائج سريعة تصب في صالح خدمة عدد من الملفات السياسية والدولية والاقتصادية ..
ذكرت في مقال سابق ان الرئيس المصري "السيسي" يتعامل مع قضية ملف التفاوض حول سد النهضة بنوع من المهادنة يحاول خلالها ابداء مواقف مرنة يفهم منها تغيير مساره الاستراتيجي حول انشاء السد واكدت ان التقارب الذي بدا منه مع السودان لم يكن الا لمرور انتخابات رئاسية مصرية هادئة لايعكر صفوها توتر في العلاقات الخارجية تنعكس على سير العملية الانتخابية .. خاصة وان التقارب مع "السودان" قبيل الانتخابات ظهر من خلال الاستقبال غير المسبوق في زيارة الرئيس "البشير" الى القاهرة مؤخرا .. ولا ابالغ ان قلت كان مردود الزيارة ايجابي للرئيس "السيسي" حيث جسدت له دعاية انتخابية وسعت لديه في ملعب الكسب الانتخابي لاعتبارات تتعلق بحفاظه على تماسك الامن القومي ل"مصر" من خلال تحسين العلاقات مع دول الجوار وخاصة "السودان" ..
ملف سد النهضة يرقى الى مستوى القضية المركزية في الامن القومي المصري فعصب الحياة عندهم هو مياه نهر النيل وتخشى "مصر" من بناء السد وما يتبعه من خطوة تخزين للمياه مما يؤدي الى تدمير مساحات ولسعة من الاراضي الزراعية فضلا عن عدم توفر مياه شرب كافية لسكانها الذين يتجاوز عددهم ١٠٠ مليون نسمة ويعانون بالفعل نقصا في الموارد المائية كانت تسده من فائض المياه المهدرة من حصة مياه النيل الخاصة السودان كدولة مجرى واثيوبيا كدولة منبع .. ويذكر ان نقاط الخلاف اساسا تقع في ابرز امرين - الاول فيما يتعلق بملء بحيرة السد في المراحل الاولى لتشغليه - والامر الثاني في كيفية ادارة السد بين الدول الثلاث بجانب ان السودان واثيوبيا لهما ملاحظات حول التقرير المبدئي الذي قدمته الشركات الفرنسية حول بعض الامور الفنية للسد .. في رائي ان "القاهرة" قد عزمت على ال"سيناريو" الخاص بالملء التدريجي لبحيرة السد في ١٠ اعوام بدلا عن ٣ سنوات مما يمكنها خلال هذه الفترة من الحصول على تعويضات عبر حصة اضافية من المياه تامل في الحصول عليها وفق اتفاقية جديدة لقسمة مياه النيل بين دول الاقليم وبالتاكيد هذا ماترفضه دول المنبع والمجرى لانه سيكون خصما على حصة السودان ونية "مصر" لدمجها مع حصة دولة جنوب السودان الدولة الوليدة التي تسعى ايضا الى نصيب منفصل من حصة مياه النيل ..
اصبح عامل الوقت يلعب دورا حاسما في عملية التفاوض حول سد النهضة بعد ان تحولت "مصر" لاستخدام استراتيجية "كبح الوقت" والتغاضي عن نقاط خلافية ظلت تتمسك بها لزمن طويل من بينها معارضة قيام انشاء السد وبذلك اصبحت "مصر" تتبني نظرية "الواقعية" وهي من اشهر النظريات المفسرة للعلاقات الدولية وهذا المفهوم ليس مفهوما ثابتا بل يتغير بتغير وتطور مفهوم ومكونات القوة ويرتبط ارتباطا وثيقا بالمحرك والدافع وراء السلوك السياسي ل"القاهرة" بعد استبانتها ان مفهوم القوة لايتناسب مع الوضع الراهن لان الواقع يؤكد تسارع الخطى لاكمال منشئات السد بسبب كسب "اثيوبيا" للعديد من الاطراف الدولية في مناصرة قيامه بل دعمه وتمويله .. وباتت مصر تعلم تماما ان القوة عبر الاكراه والالزام او الاجبار لاتؤدي الا الى تباعد في الاراء وان الاقناع والاستقطاب الذي يعرف ب"القوة الناعمة" لايتناسب مع استراتيجية "كسب الوقت" لانها مهددة بعنصر الوقت نفسه لذلك لا تمضي مرونتها الا بمزيد من الوقت ..
المسار الاستراتيجي الذي التزمته "مصر" لكسب مزيد من الوقت هو التسويف والمراوغة في حلقات التفاوض الثلاثية للحصول على مكاسب من رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد "القريب الى مصر" بعد ان تولى المنصب قبل ايام عديدة وكان يشغل منصب رئيس مكتب سكرتارية المنظمة الديمقراطية لشعوب "اورومو" - نائب رئيس اقليم "اوروميا" .. لذلك ستظل "مصر" ترجئ مسالة الوصول الى اتفاق وفق "سيناريو" الملء التدريجي لبحيرة السد املا في اعادة قسمة مياه النيل لصالحها ومايمكن ان يلعبه رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد نتيجة التقارب المصري في مسالة دعم "الارومو" في اوقات سابقة الى ان وصلت الامور بين الدولتين حد اتهام رئيس الوزراء السابق "ديسالين" لمصر بدعم تاجيج الصراع في اقليم "الاروميا" .. وقد ظهر ذلك من خلال العبارات المغتضبة لوزير الخارجية عند انتهاء الاجتماع الثلاثي حول سد النهضة بين السودان واثيوبيا ومصر دون الوصول الى اتفاق مشترك وحسب تصريحات "غندور" - "اجتمعنا منذ صباح اليوم وناقشنا العديد من القضايا وفي النهاية لم نستطع الوصول إلى توافق للخروج بقرار مشترك" .. تلك العبارات تؤكد مسعى الجانب المصري ل"كبح الوقت" لاتاحة مزيد من القراءات الاستراتيجية لتوجهات رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  98
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 13:39 الأربعاء 26 سبتمبر 2018.