• ×

/ 02:01 , الإثنين 19 فبراير 2018

التعليقات ( 0 )

(بهداوة)... صوت المعدة وصوت الضمير

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
مما يحكي أن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة كان يجلس مع أصحابه وتلاميذه يوماً في الدرس ، فجاءته الجارية تقول له : يا سيدي تقول لك سيدتي إن الدقيق قد نفد في البيت ، فنظر إليها الإمام وقال لها : قاتلك الله لقد أضعتي من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه كنت قد أعددتها !.
وتقول العرب (لا تستشِر من ليس في بيته دقيق) ، ويردون ذلك إلي أن من ليس في بيته دقيق أي القوت يكون مشغولاً بالتفكير في تدبير قوته ومعاشه . ولدي الإنجليز مثل يقول A hungry man is an angry man أي الرجل الجائع رجل غاضب ويقولون ايضاً ما معناه أن (صوت المعدة أقوي من صوت الضمير) .
هذه المقدمة ضرورية للحديث عن قضية (الحالة المعيشية) والتي تشغل الجميع في هذا البلد حكومة وشعباً و هي بحق في هذه الأيام تعتبر (أم القضايا) . ولا شك أن الغالبية العظمي من أفراد الشعب السوداني يعانون من غلاء المعيشة وإرتفاع أسعار السلع الأساسية والذي يأخذ شكلاً تصاعدياً سريع الوتيرة ، حتي يمكن تشبيه هذا الإرتفاع المتوالي في الأسعار مثل النهر الجاري ، فالسعر الذي تشتري به اليوم لا تستطيع الشراء به لنفس السلعة في اليوم التالي ! .
الحكومة وحتي لا نتجني عليها بغير حق بذلت وما تزال تبذل الكثير من المحاولات ووضع المعالجات للتخفيف من وطأة الغلاء ولكن يعيب هذه المحاولات الحكومية انها بطيئة الايقاع فى مواجهة الايقاع السريع لارتفاع الاسعار .
والمطلوب من الحكومة ان تسرع من ايقاعها لكبح جماح السوق وإلا فإن الوطأة ستزيد والمعاناة ستتفاقم وسينفلت زمام السوق ، ويخرج الأمر كله عن نطاق السيطرة ، وحينها فإن الجوع سيكون سيد الموقف بلا منازع ، وإذا أصبح الجوع سيداً في قوم فذاك هو الهلاك بعينه وقد استعاذ منه النبى صلى الله عليه وسلم فقال (اللهم انى اعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع) .
فالجوع أشد خطراً من الحرب فهو خطر علي الفرد فى دينه ودنياه وتفكيره وسلوكه ، ، لذلك تجد ذكر الجوع في القرآن مقدم علي الأمن مما يدل علي شدة خطره وتأثيره علي ما عداه من أخطار أخري ، قال تعالي (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) وفي آية أخري يقول الله تعالي (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) .
والحكومة في سعيها لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطن لا بد أن تستقصي كل الحلول وألا تستثني مظان الحل ولا تستبعد أية حلول مهما كانت صعبة أو مؤلمة لأن الجوع أصعب وأكثر إيلاماً مما سواه . ومن هذه الحلول الناجعة في رأيي ترشيد الصرف الحكومي وقوامه وعموده محاربة الفساد بكافة صوره وأشكاله وحسناً فعل بنك السودان قبل أيام بحظره عدد من المصدرين الذين لم يوفوا بتسديد حصائل صادراتهم فقد جاءت نتيجة هذا الحظر ايجابية بعد ايام قلائل من صدور قرار الحظر حيث سارعت (11) شركة حتى الآن الى اعادة حصائل صادراتها بما قيمته (30) مليون دولار ويتوقع توالى توفيق اوضاع بقية الشركات . كذلك يمكن للحكومة أن تقوم بإحتكار إستيراد وبيع السلع والخدمات الأساسية ولا تتركها لآليات السوق بحجة عدم التدخل في سياسة التحرير ، فسياسة التحرير ليست مقدسة خاصة إذا أنتجت آثاراً سالبة تمس معيشة الناس اليومية ، والمنطق يقول أنك لن تستطيع فرض سعر محدد لسلعة أساسية لم تستوردها أنت ولا تملكها والواقع المعاش يدلل علي ذلك خاصة في سلعة السكر فالسعر الذي اعلنته الحكومة في وادٍ وسعره في السوق في وادٍ آخر.
ونقول أن تخفيف أعباء المعيشة عن المواطن مقدم علي ما سواه من قضايا اخري ، فالمعيشة اليومية حينما تصبح هاجساً وهمّاً يومياً فإن ذلك سيؤدي إلي ضياع الكثير من القيم مثلما أضاعت من الإمام الشيباني – وهو من هو - أربعين مسألة فقهية ! . ونختم بالقول أن الدعوة الى التظاهر الذى تتولى كبرها قوى سياسية فاشلة تنشط هذه الايام للاصطياد فى المياه العكرة هى دعوة حمقاء ، هى دعوة الى الدمار ونشر الفوضى لن تكون نتيجتها الا وبالاً وتمزيقاً لأوصال البلد وتشريداً لأهله الكرام كما حدث لشعوب اخرى ليست منا ببعيدة والعاقل من اتعظ بغيره .

بواسطة : الركابي حسن يعقوب
 0  0  24
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 02:01 الإثنين 19 فبراير 2018.