• ×

/ 06:37 , الثلاثاء 24 أبريل 2018

التعليقات ( 0 )

من على الشرفة - مدينة لا تنام

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عندما تحتويك المدينة المقدسة وطيور الحمام الوديعة الآمنة تستقبلك، ربما تسللت الى ذاكرتك قصة (النبي) صلى الله عليه وسلم وصحبه وهم مطاردون، فيلجأون الى غار يعصمهم وتنسج في مدخله العنكبوت خيوطها، ويهبط زوج الحمام ليخفي أثر الأثنين، وهنا في مكة المكرمة تختفي همومك وما يساورك من قلق وأنت تدلف الى هذه المدينة المُكرمة.

تتدثر بإزار ورداء فتذكر أن ابليس زين لآدم وزوجه الشجرة فبانت عورتهما وطفقا يخصفان عليهما من صفق الجنة، وأنت هاهنا بقطعتي القماش البيضاوتين تذكر الكفن الذي ربما تستر به عند وفاتك، ممتنعاً عن الغسل بالصابون أو وضع عطر أو تقليم أظافر عودة الى الفطرة والى بداية الخلق.

عندما تضع قدمك في أبواب المسجد الحرام وقبل أن تقع الكعبة الشريفة في عينيك، تشاهد جموعاً بشرية تقف في أعين بعضهم دمع والآخرين يرفعون الأكف وأجسامهم تهتز، فتستعير من تلك الأحاسيس ما يعينك على مصافحة نظرك لهيبة البيت المعمور.

تجد أولئك الطائفون بمصباح أخضر يوازي الحجر الأسود يهتدون، جاعلين البيت الحرام على يسارهم تجاه القلوب لعلها ليس عليها اقفالها، تنطلق عكس عقارب الساعة.. تاركاً الزمان والمكان سابحاً مع تلك الشعوب والقبائل المتعددة الألوان والسحنات، شيباً وشباباً نساءً وأطفالاً وحتى الرضع محمولين على أكف الآباء والأمهات يطوفون بأول بيت وضع للناس ببكة، كما فعل أسلافهم منذ الأزل مقرين بالعبودية لله وحده.

يدعون جور الحكومات وهوانهم على الناس يشكون الظلم ويسألون الله أمانيهم، يذكرون أحبة لهم رحلوا تحت التراب وآخرين ما بدلوا تبديلا، وما إن اختتموا طوافهم تحينوا ركعتين في مقام أبي الأنبياء ابراهيم الذي أمر وابنه الذبيح برفع قواعد البيت، ثم ارتشفوا جرعات من ماء تلك البئر التي فجرها الله لتلك السيدة، وهي تسعى بين جبلين من شعائر الله ارتقاءً وهبوطاً بين صفا ومروة وهي امرأة وحيدة مع طفل أصابه العطش فطفق يبكي وأمه تتألم، وأباه غائباً يخاطب الشمس والقمر والنجوم التي ما أن أفلت ردد أن ربي خالق كل شيء.

ومازال الخليل في بحثه وهو يسأل ربه كيف تحيي الموتى، فيجاب ألم تؤمن يا ابراهيم فيرد بلى لكن ليطمئن قلبي، والطائفون الساعون المُحرمون يريدون أن يجدوا القبول فتطمئن قلوبهم.

المدينة المقدسة التي تحيط بها الجبال تمر مر السحاب في دوران الكرة الأرضية، لا يتوقف مسجدها الحرام عن استقبال المتعبدين المتقربين الى الله بحجٍ أو عمرة أو صلاة أو طواف أو تلاوة قرآن أو ذكراً كذكر الآباء أو أكثر، لا تسكن فيها الحركة، فالزمان والمكان يدور حولها، وما القادم إلا ذرة أو أقل في محيط هادرٍ متواصلٍ منذ حقب بعيدة.

تلك توقيعات على باب المغادرة للمدينة التي لا تنام، عائدة الى الواقع وأسواره المكبلة، وهمومه التي لا تنتهي ويبقى الأمل في أن تكون زيارتك هذه غيرت فيك الكثير وردتك رداً جميلاً.

أخر لحظة

بواسطة : طاهر المعتصم
 0  0  52
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 06:37 الثلاثاء 24 أبريل 2018.