• ×

/ 00:34 , الأربعاء 17 يناير 2018

التعليقات ( 0 )

إستراتيجيات - استراتيجية "تنميط" الاستقلال‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في الحديث عن الوطنية وحب الوطن روايات خلدها التاريخ وسجل فصولها باحرف من نور حتى صارت قصصا يرويها جيل للجيل الاخر حيث كان الفصل الاخير منها عندما انتهت حقبة الاستعمار الاوربي للقارة الافريقية ونال السودان استقلاله في العام ١٩٥٥م وهنا يبرز السؤال المهم لماذا تم تاجيل اعلان الاستقلال وبالتحديد الى اليوم الاول من يناير ١٩٥٦م ؟؟.. وهنا تاتي الاجابة الصادمة .. لم يكن ذلك الا لاشارة خسيسة من المستعمر ل"تنميط" الاستقلال وجعله مرتبكا في زخم الاحتفال براس السنة الميلادية من كل عام "دس السم في الدسم" .. وبخروج الاستعمار من بلادنا قسم العالم بتقسيمات سياسية جديدة خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور قوى جديدة على النطاق العسكري والاقتصادي وبروز الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى مهيمنة على مجريات الاحداث العالمية وانتهاء الحرب الباردة وظهور ما يسمى بالعولمة والنظام العالمي الجديد حيث كانت اهم ملامحه تغيير نمط الاستعمار المباشر الى السيطرة عن بعد لضمان حماية الامن القومي للدول العظمى ودخول المنظمات الدولية كلاعب اساسي في السياسة الدولية ..

كان السودان ضمن محور اهتمام الدول الغربية للعديد من الاسباب السياسية والإستراتيجية .. والاستعمار وإن اختلفت اشكاله واهدافه فلازال يمارس بصورة او اخرى ضغوطا على السودان حفاظاً على تلك المصالح الاستراتيجية والسياسية للغرب .. وان صراع القوى الغربية على السودان لم يكن الا لتحقيق مصالح سياسية واستراتيجية مهمة لتلك القوى تلخصت في تامين العمق الاستراتيجي للامن القومي لها من خلال كسب اراضي تتميز باهمية الموقع الجغرافي والاستراتيجي في قلب القارة الافريقية لحماية مصالحها السياسية في مصر وبالتالي حماية دولة اسرائيل اليهودية الوليدة بـ "فلسطين" لان السودان يمثل البوابة الجنوبية لمصر التي تمثل دولة المواجهة الاولى لاسرائيل .. اضافة الي احكام السيطرة على اهم الممرات المائية في افريقية والعالم وهي ساحل البحر الاحمر ومجرى نهر النيل وروافده ومنابعه وتقسيم حصص المياه في مجرى حوض النيل وكذلك ايقاف تمدد الدولة المهدية انذاك والحد من طموحات خليفة المهدي التوسعية نحو القرن الافريقي ومصر و التنافس الغربي في تقوية نفوذه السياسي والاستراتيجي ولكسب المزيد من الارض لإقامة القواعد العسكرية التي تزيد من حفاظها على امنها القومي وقد بنيت الاستراتيجية الغربية على ربط وسط وجنوب السودان بمصر لضمان استمرار مصر جزءا من الامبراطورية البريطانية حيث كان الوجود المصري معترفا به تاريخيا في السودان وعقب انتهاء حقبة الاستعمار تبدلت المصالح السياسية والاستراتيجية للغرب في السودان والمنطقة إلى إستراتيجية "المولاة" ..

ادركت القوى الغربية مبكرا منذ فجر الاستقلال ان تلك الاستراتيجية لاتتحقق وسط ذلك الجو المفعم بالوطنية والسمو الوطني حيث كان الوطن يعلو فوق الجميع فاخذت تنخر بسمومها في عظم جدار الوحدة الوطنية اولا تم النفاذ من خلاله الى زرع الفرقة والشتات لاضعاف الولاء للوطن والنظر اليه كاخر الاولويات في اجندة المواطن فجندت المعارضة بمفهومها السالب الى لعب دور في تنفيذ استراتيجيتها التي تعنى باضعاف الولاء للوطن والركون الى تحقيق المكاسب الحزبية والذاتية الضيقة فجعلت لها خلايا تاتمر بامرها وتنفذ اجندتها للخروج بوطن بلا "وجيع" ..

خططت القوى الغربية لاستقطاب السودانيين في مراحل مختلفة عقب الاستقلال الي الانتماء السياسي الايديولوجي الاجنبي فتارة ضمن المحور الغربي وتارة نحو المحور الشرقي وحينا نحو اللا انتماء "عدم الانحياز" .. وبذل الغرب قصارى جهده لان تكون كل تلك الانتماءات بمعزل عن ترسيخ مفاهيم محورية نحو الوطنية والتجرد للوطن حيث نتجت من جراء تلك الخطط تنامي حب المصلحة الذاتية على مصلحة الوطن فصناع الاستقلال بالرغم من دوافعهم الوطنية الا انه لم يكن ذلك الدافع مصحوب مع فعلهم الوطني عبر نمط استراتيجي فاعل لغرس حب الوطن في نفوس الاجيال المتعاقبة لفترة مابعد مرحلة الاستقلال فحدث اضطراب في توجه الشعور الوطني والتباعد النفسي مابين حب الذات وحب البلد وذلك بسبب النقص في تنشئة الاجيال عبر منهج التربية الوطنية كمنهج دراسي منفصل يحد من الانكفاء نحو دراسة منهج التاريخ حتي اصبح الجيل الحالي يتحدث عن التاريخ وبطولات الاجداد والاسلاف ولايحب حاضره وبالتالي وطنه بالقدر الذي يؤهله الي التمسك بالارض والعرض والشرف الوطني ..

تنميط" الاستقلال في الاحتفال بخروج المستعمر دون استراتيجية تعنى بوضع الوطن في حدقات العيون اذ ظلت قوى المعارضة السالبة تقحم الوطن في صراعاتها السياسية بعد خروج المستعمر منذ ٦٢ عام من اليوم وقد صارت اداة للقوى الغربية ومخلب قط قطعت به اوصال الوطن وعملت عن طريق المؤامرات والكيد السياسي والدسائس الي تغييب التفكير الجمعي نحو الوطن وسلامته ووحدة اراضيه والاكتفاء بالمكاسب الشخصية للافراد والجماعات وغاب عنهم ان مايريده الغرب من انفصالهم عن حب الوطن هو مزيد من الاستعمار غير المباشر .. الاستقلال ومايحمله من معاني ومضامين تهتم بحب الوطن وتخلق رابط مابين قوة القانون والتنشئة السلوكية عبر منهج محكم للتربية الوطنية حتى تفوت الفرصة على كل من يخترق النسيج الوطني المتماسك ليعلو الوطن فوق الجميع .. والتربية الوطنية هي عبارة عن وسيلة من الوسائل التربوية والتعليمية التي تستخدم في المؤسسات التعليمية ابتداءا من رياض الاطفال الى المرحلة الجامعية والهدف منها هو تعزيز الانتماء الى الوطن .. وتعرف ايضا بانها منهج من المناهج الدراسيّة الذي يعتمد على عدد من المصادر التعليمية التي تساهم في تعريف الطلاب بالمفاهيم الوطنية كالوطن والمواطن والدولة وغيرها لذلك تعتبر التربية الوطنية من اهم المواد الدراسية والتربوية التي تدرس في كافة المدارس وفي مختلف المراحل الدراسية حتى يتربى النشئ علي حب الاوطان ويعوا ابعاد المؤامرات والكيد والدسائس التي تحاك ضد اوطانهم .. فهل ياترى يتحقق ذلك بعد مرور ٦٢ عام من الاستقلال ؟؟ ..

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  44
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 00:34 الأربعاء 17 يناير 2018.