• ×

/ 22:37 , الأربعاء 17 أكتوبر 2018

التعليقات ( 0 )

إستراتجيات - تركيا .. هنا كانت حاضرة ‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لم يكن الوجود التركي لمدة تجاوزت الستين عاما في السودان كغيره من اشكال اغتصاب الاراضي والاستعمار وذلك من ناحية "ايديولوجية" حسب مفهوم مقصد دخول الاتراك الى السودان على مبدأ الخلافة الاسلامية التي كان مركزها "استانبول" وظل ذلك المفهوم مفهوما راسخا لايمكن زحزحته مهما تباينت وجهات النظر حول ذلك المبدأ فقد كان "السلطان" خليفة المسلمين هو الذي يبسط نفوذه على كافة اراضي الدولة الاسلامية وبذلك اكتسبت فترة الحكم التركي في السودان والبلاد الاسلامية اهمية قصوى خاصة في مناحي التواصل الثقافي والاجتماعي واكتساب العادات والتقاليد والاعراف وحتى على مستوى القوانين والتشريعات وتنظيم قضايا المراسم والبروتكول والاتيكيت وفنون المائدة وتناول الطعام وفي القريب الذي مضى حتى على مستوى الرتب العسكرية من قبيل "الصاغ" و"اليوزباشي" و"البكباشي" وغيرها من الرتب التي تم اكتسابها من تراتيبية اللفظ العسكري التركي وجاء منها الصاق عبارة "جي" في اللغة التركية لتفرخ كلمة "تعلمجي" و"بندقحي" و"ادرجي" وغيرها من الكلمات التي تنسب الى المهن مثل "سمكرجي" و"بوهيجي" و"عربجي" و"مكوجي" اما مايسبق كلمة "دار" وهي كلمة تركية تعني المقر والسكن فاكتسبت منها الدارجة السودانية الفاظ مازالت حية تمشي بين الناس مثل "حكمدار" و"بريقدار" و"سيردار" اما ماينسب الى كلمة "خانة" وهي في التركية "المكان" فجاءتنا كلمات "اجزخانة" و"ادب خانة" و"شفخانة" وايضا مايليه ويسبقه كلمة "باش" وتعني في التركية الكبير وجاءت منها "حكيمباشا" و"باشكاتب" و"باشمهندس" و"باشممرض"..

والمتجول في طرقات "اسطنبول" يشاهد كثير من العلامات التجارية والاعلانات وهي تعبر عن كلمات نظنها سودانية ولكنها تركية تمت "سودنتها" و"لهجنتها" بالدارجة حتى صارت من مفردات الحياة اليومية مثل "لستك" ايطار السيارة و"دولاب" صندوق الملابس و"اوضة" الغرفة سواء كانت مكان عمل او سكن و"ليك" وهي ميدان او ساحة وجاء منها الميادين المعروفة با"السنترليق" كما يشاهد بكثرة "التمنة" وهي قسم الشرطة الصغير وحين المدح تاتي كلمة "عفارم" للفعل المتميز وايضا وصف الشخص الكيس سليم التصرف ب"دوغري" والشخص الموصوف بامور "اللف والدوران" يطلق عليه "اونطجي" اما في المطار فنجد عبارة "اورنيك" و"طابور" تعبيرا عن مكان وقوف المسافرين "صفا" لاخذ "الارانيك" لتعبئتها ..

اما على المستوى الاجتماعي فنشهد طريقة السلام والضرب على الكتف وشد الايدي في التصافح وطريقة الحزن في الماتم "الفراش" والتكافل في الافراح والاتراح المعروف ب"الكشف" واصول الزيارات وتبادلها والمعاتبة في عدم التواصل واعفاء الشوارب وجاء منها عبارة "ابشنب" والشارب قيمة اجتماعية يتصف بها الاتراك وهي مقام للتفاخر والتباهي الاجتماعي .. ومن الموصوف عن اللون المائل ل"لصفرة" او "البياض" النعت بعبارة "حلبي" نسبة الى حلب الشام او "تركي" نسبة الى تركيا بينما في الواقع ان كثير من الاسر السودانية المرموقة اصول جذورها تركية خاصة بمناطق "بورتسودان" و"دنقلا العرضي" وهي في الاصل كلمة تركية "دنقلا الاورطي" مقر سكنات الجيش التركي انذاك وهي منطقة تبعد امتار قليلة من المدينة "دنقلا العجوز" واشتهرت تلك المنطقة بكثير من الاسر ذات الاصول التركية المعروفين ب"الخياييل" وغيرهم اما منطقة "بربر" فتعج بذات الجذور من الاصول التركية واستحضر عندما كنت في زيارة ل"اسطنبول" التقيت عن طريق المصادفة بالشيخ عبدالجليل النذير الكاروري ونحن نتجاذب اطراف الحديث برفقة مرافقي مع الشيخ قطع حديثنا رجل تركي "ستيني" لايتحدث العربية اطلاقا وترجم لنا حديثه سوداني يرافق الشيخ "الكاروري" وخلاصة كلامه كانت عن سؤاله من منطقة تسمى في السودان "باربار" وان له فيها بني اعمام وخؤولة وذكر احد الاسماء من عائلة "البريقدار" المعروفة بمنطقة "بربر" وهي اسرة سودانية اصيلة ومرموقة بالسودان .. وكثير من الاسماء للعوائل السودانية تحمل دلالات على وجود اصول تركية او اطلقت تيمنا بعظمة سلاطين الخلافة الاسلامية او لارتباطها بمهن مورست في ذلك الزمان مع الاتراك .. ومن تلك الاسماء الكبيرة في المجتمع السوداني ومنها على سبيل المثال لا الحصر ال "عصملي" وال "العتباني" وال"صبحي" وال"زكي" وال"رافت" و"غنادير بحري" وال"راجي" وال"حمادة" وال"ورداني" وال"صابر" وغيرهم ..

تركيا ايضا حاضرة في ثقافة الطعام في السودان فهم اول من ادخل فنونه التي ابدعن فيها اخوات "نسيبة" من بعد ذلك .. ففنون الطبخ لم تكن مالوفة في المجتمع السوداني وكثير من الحجاج السودانيين في الاراضي المقدسة يلجاون الى المطاعم التركية والسودانية المفضلة لهم في المذاق وتقارب النكهة .. وقبول طريقة الطبخ تعبر عن ثقافة متبادلة بين الاتراك والسودانيين ومنهم تعلم السودانيين فنون الطبخ والمائدة فالجلوس على "الصينية" و"الصحون" والاواني المنزلية الفرش الارضية لتناول الطعام "البروش" و"السفرة" والملاعق وغيرها من معدات صناعة الطعام جميعها عادات تركية .. اما انواع الاطعمة ادخل الاتراك اصناف "الشية" المحببة للسودانيين و"المحشي" و"الكفتة" و"الملوخية" و"البامية" و"الباسطة" و"البقلاوة" و"الاجبان" و"السجق" و"الكنافة" وغيرها من الماكولات السودانية ذات الاصل التركي المميزة وقد قيل حتى "الويكة" و"التقلية" صناعة برع فيها الاتراك بيد ان السودانيين اضافوا عليها مسحوق "البامية" وتركوها لنا ارثا نتمتع بتناوله كوجبة شعبية من الطراز الاول .. اما في غرب السودان للاتراك مع السلطان علي دينار غرام ومحبة واشتهرن في هذا المقام نساء الفاشر بصنع فاخر الاطعمة ذات المذاق التركي الشهي ..

اما على مستوى العمارة وفنون البناء لم يكن الطوب الاحمر الا من ابداعات الاتراك وحاليا تركوا اثرا واضحا في صناعة الطوب "البلوك" وايضا تقف العديد من "قباب" الطرق الصوفية والمساجد والبنايات وعليها الزخارف والنقوش شاهدا على بعض الفنون التركية وخير شاهد التحف الرائعة بجامع فاروق والجامع الكبير وحتى القصر الجمهوري ومباني المديرية وغيرها من العمارات البائن فيها نفس وعبقرية الاتراك في هذا المجال وتجسدت ابداعاتهم حتى في الحرم المكي الشريف ..

تركيا حاضرة ولم تغب عن المشهد السوداني سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفرحة السودانيين بمقدم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وزيارته للسودان تعبر عن تلك الروابط والوشائج بين الشعببين التركي والسوداني غير ان المحبة للرجل "اردوغان" تزيد من تقارب تلك العلاقات ووصولها الى قمة الهرم عبر الشراكة الاسترتيجية لمنفعة البلدين الشقيقين مرحبا الحبيب "اردوغان" في بلدك الثاني "السودان"..

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  139
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو / 22:37 الأربعاء 17 أكتوبر 2018.