• ×

/ 20:40 , السبت 18 نوفمبر 2017

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات ... المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية .. عقد شراكة استراتيجية بين الدولة والمجتمع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تطور المفاهيم الاجتماعية نحو منح الانسان مزيد من الحقوق وارتباط ذلك بالقيم الاخلاقية وتسخيرها لصالح بناء اجتماعي يكفل حصول الفرد والمجتمع على الاحتياجات الضرورية وصبغتها بعدد من المؤشرات لقياس العوامل اللازمة التي تتيح امكانية الحصول علي الحد الادنى من مستوى المعيشة وتقارب الميزات التفضيلية للعيش بين الريف والحضر .. ادى كل ذلك الى بروز مفهوم المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية وهي نظرية "اخلاقية" نشأت بين مكونات الدولة والمجتمع .. سواء كانت منظمات عامة او خاصة او افراد حيث يقع الزاما عليهم جميعا العمل لمصلحة المجتمع ككل بصورة طوعية واختيارية .. وتاتي طوعية المسؤولية الاجتماعية وحتمية المسؤولية المجتمعية من واقع ارتباطهما بالعامل الاخلاقي ومضامين القيم والسلوك الرشيد عبر صيغة تكافلية تطرح مزيد من الثقة المتبادلة بين الدولة ومنظمات الاعمال والمجتمع حيث تشترك الدولة مع تلك المنظمات التي تقر بالعقد الاخلاقي للمسؤولية الاجتماعية عبر شراكة استراتيجية تهدف الى التشبيك والتنسيق بين اضلاع مثلث المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية المتمثلة في "مؤسسات الدولة - المجتمع - منظمات الاعمال" وذلك لتحقيق "التنمية المستدامة" واهدافها .. فقد تنامى عظم دور المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية توافقا مع تنامي ارتفاع نسبة التقديرات العالمية للفقر وذلك لايجاد وسيلة تشاركية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع لمكافحته ..
السودان حجز مقعده مبكرا بين الدول المهتمة بمفهوم المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية وذلك قبل ان يتم التعرف على مفاهيمها العالمية والاعتراف بكليهما كجهد اجتماعي تكافلي ظل يمارس في المجتمعات السودانية بما عرف ب"المساهمة الشعبية" و"العون الذاتي" خاصة في مجال الخدمات كالتعليم والصحة والمياه النظيفة للشرب وتوصيل الكهرباء وغير ذلك من عقود الشراكة الاستراتيجية بين الدولة والمجتمع في مجال المسؤولية المجتمعية .. حيث لم يكن امام المجتمع في ظل شح الامكانيات وارتفاع معدلات الفقر سوى اعتماد المجتمع على تلك الصيغة التشاركية مع الدولة لممارسة نوع متفرد من انواع المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية فمن هنا ولدت فكرة "العون الذاتي" حيث يقوم المواطنون في مدينة ما او قرية او حتى حي ببناء المدارس والمراكز الصحية وتوصيل المياه النقية للشرب وشراء المولدات الكهربائية .. وقد خلقت هذه الفكرة علاقات اجتماعية محلية قوية واصبح الجميع يسعون للمحافظة عليها وحمايتها من الضرر بعكس الموقف من المنشات الحكومية .. اما النوع الاخر من مناشط المسؤولية الاجتماعية فيتمثل في "تبرعات" و"هبات" و"اوقاف" رجال الاعمال السودانيين بمختلف درجاتهم الاقتصادية حتى اطلق عليهم لقب "رجال البر والاحسان" .. ولم تكن تلك "التبرعات" و"الاوقاف" و"الهبات" المتمثلة في انشاء المساجد والمدارس والمستشفيات عن طريق وقف اموالهم للدولة لصالح انشاء مشروعات "البر الاجتماعي" والاعمال الخيرية مثل انشاء الدور الايوائية وملاجئ العجزة والمسنين وداخليات الطلاب والطالبات وقد عرف المجتمع السوداني "اعلام" من باذلي الخير عبر مفهوم مسؤوليتهم الاجتماعية تجاه مجتمعاتهم وسط اهلهم ودائرة نفوذهم الاقتصادي حيث مارسوا المسؤولية الاجتماعية بارقى صورها من حر اموالهم لصالح مجتمعاتهم واهلهم وعشيرتهم .. ومن المحسنين الذين كان لهم الفضل في بذر مفهوم المسؤولية الاجتماعية على سبيل المثال لا الحصر "الشنقيطي، زينب بن بيلا، مقلد، كيشو، ابوالعلا، السلمابي، حجوج، البغدادي، شرفي، عبدالمنعم محمد، الشيخ مصطفى الامين" وكثير ممن فاتني ذكرهم لهم الفضل في ترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية عبر عقد شراكة استراتيجية اجتماعية مع الدولة لصالح المجتمع ..
نوع اخر من عقود الشراكة الاستراتيجية بين الدولة والمجتمع في مجال المسؤولية الاجتماعية مارسته الطرق الصوفية حيث ظل مشايخها يهبون اموالهم الخاصة وتلك التي تاتيهم في شكل منح وهبات من المريدين والاحباب ورجال البر والاحسان وحتي الدعم الذي ياتيهم من الدولة "على الرغم من قلته" ظلوا يهبونه بسخاء ويد مبسوطة كل البسط "غير مغلولة" في انشاء وتعمير الخلاوى لتحفيظ القران واكرام وقِرى الضيف واغاثة الملهوف وابن السبيل وطالب العلم اذ كان "المسيد" و"التكية" ولا زالا يمثلان نموذج من نماذج المسؤلية الاجتماعية التي اسهمت بصورة فاعلة في تقديم الطعام للجائع والكساء للمحتاج والحذاء للحافي والعلم للطالب فكانوا ملجأ للناس في قضاء حاجاتهم عبر شبكة وخلية نشطة ونموذج متفرد من نماذج المسؤولية الاجتماعية قبل ان يعرفها العالم المتحضر ويتعرف على مفاهيمها ويؤصل مصطلحاتها .. فمن النماذج التي ستظل خالدة ويذكرها المجتمع بالخير مجمعات الخلاوى باطراف واصقاع السودان المختلفة وعلى سبيل المثال لا الحصر خلاوي .. "الشيخ البرعي والشيخ ابوعزة بشمال كردفان، البادراب بام ضوا بان، المكاشفية بالشكينيبة" .. وغيرهم كثير ممن كانوا منارات سامقة يتبارون في فعل الخيرات حيث قدموا نموذج قل ما يوجد له مثال في العالم تمثل في مشروعات التعليم والزواج الجماعي التكافلي وخدمات الصحة العلاجية وتوفير كل متطلبات العيش الكريم في حدود مجتمعاتهم ..
مجلس المسؤولية الاجتماعية بوزارة التنمية الاجتماعية في ولاية الخرطوم والذي انشأ بالقرار ٧٧ لسنة ٢٠١٦م .. التقطت به الدكتورة / امل البكري البيلي وزيرة التنمية الاجتماعية القفاز لتنسيق جهود المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية "مع اختلاف التعريف المفاهيمي للمصطلحين" اذ تُعنى الاولى بمسؤولية الدولة تجاه المجتمع بينما تُعنى الثانية بمسؤولية مؤسسات القطاع الخاص والمقتدرين من رجال المال والاعمال تجاه المجتمع .. ويشير الهدف الاستراتيجي لانشاء المجلس الذي يعمل على مستوى ولاية الخرطوم الى ترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية في المجتمع وتحقيق افضل درجات الحماية والتكافل والتضامن المجتمعي لانفاذ وتنسيق جهود المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية بولاية الخرطوم التي شهدت حراكا في الصرف المتفرق على انشطة المسؤولية الاجتماعية من شركات الاتصالات والمصارف والشركات الاستثمارية الكبرى .. فكرة انشاء مجلس المسؤولية الاجتماعية في حد ذاتها تطور ايجابي يحسب في خانة الانجازات التي تشهدها الوزارة الكبيرة في الولاية الكبيرة التي على راسها الوزيرة "البيلي" الحائزة على الجائزة الذهبية للتنمية المستدامة والمفوض الاممي المبشر باهداف التنمية المستدامة ٢٠٣٠م والسفير الدولي للمسؤولية الاجتماعية .. المشهود لها بالسعي الدؤوب لتطوير العمل الاجتماعي مع السير على هدى خطط وبرامج وانشطة ومشروعات تلتزم خط الشراكة الاستراتيجية مع المجتمع لتوحيد الجهود والتنسيق بين مكوناته عبر شراكات ذكية مع مؤسسات القطاع العام والخاص من اجل تحقيق مشروعات اجتماعية متميزة بصيغة العمل الجماعي تعنى في المقام الاول على عدم تشتيت جهود المؤسسات التي ظلت تعمل لفترة طويلة في جزر معزولة حيث نامل ان تشهد المرحلة المقبلة بقيادة الوزيرة الناشطة اجتماعيا دكتورة / امل البيلي عبر مجلسها المعني بالمسؤولية الاجتماعية والمجتمعية .. ابرام عقد شراكة استراتيجية ذكية بين الدولة ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع لتوحيد جهود المسؤولية الاجتماعية والمجتمعية في الولاية الام "الخرطوم" لتكون نموذجا مبهرا يحتذى به في السودان والمنطقة العربية والافريقية ..

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  54
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 20:40 السبت 18 نوفمبر 2017.