• ×

/ 22:24 , الأحد 17 ديسمبر 2017

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات... اشكالية "اسم المكان" على الذاتية السودانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في ليلة من روائع ليالي الفكر والادب والثقافة حفها لفيف من الباحثين والمهتمين في مجال الدراسات السودانية .. شهدت وقائع حلقة للنقاش حول كتاب الذاتية السودانية "دراسة في المكان والانسان والاحداث" الذي خطه يراع الاداري والقانوني والاديب البروفسيور / بركات موسى الحواتي .. وما اضاف الى الليلةزيادة بريق من الالق والبهاء .. حسن التنظيم والترتيب والاختيار النوعي والكمي للعلماء المختصين مما يحسب لصالح الجهة المنظمة "هيئة الخرطوم للصحافة والنشر" بقيادة ربانها الماهر الاستاذ/عبد الماجد السر الذي افصح ان هذا الكتاب يعد من الوثائق المهمة التي تاتي ضمن سلسة مطبوعات الهيئة لمشروع المائة "عنوان" في مختلف ضروب المعرفة والثقافة والعلوم .. اهتماما من ولاية الخرطوم في رفد المكتبة السودانية بامهات الكتب والدوريات والمجلات كونها مركز اشعاع حضاري وثقافي كعاصمة للبلاد ..
كان السِفر غاية في الرصانة الادبية واللغوية وحوى بدائع من المحسنات البلاغية ودرر من الموروثات التراثية والفلكلورية فاقت الوصف لتتقاسم الروعة مع قوة الطرح الموضوعي في قراءة صفحات من تاريخ السودان ومكونات الذاتية السودانية فيه .. وقد يلحظ المتصفح اللبق احتواء فصول الكتاب على تراكمات لافكار ورؤى عن تكوين الكيان المكاني والزماني والانساني للسودان في تناول منطقي متسلسل لعناصر الهوية المكونة للوطن السوداني الكبير .. غير ان التقدمة التى سطرها كمدخل للكتاب المنقب التاريخي البروفسير / ابوسليم تعتبر في حد ذاتها وثيقة من حيث الكشف عن حقائق تاريخية عن احوال "الرقعة" من حيث المكان والمدى - الصراع والحوار - التواصل والاتصال اضافة الى اشكالية النفس الحضاري "البصمة الانسانية" اما عن احوال "انسان الرقعة" فقد حوى العرض مكون اهل "الرقعة" القدماء والعلاقة بين التالف الخلاق والتنافر المدمر "الصراع" وفي دراسة نقدية معاصرة كانت خلاصة لعصارة تجارب الكاتب "الحواتي" في نقد العقل السوداني والمكونات المؤثرة عليه والمتمثلة في اثر كلية غردون التذكارية "جامعة الخرطوم" والتي اسماها ب"الراجمة" الفكرية المؤسسية التي اثرت على العقل والحضارة السودانية المعاصرة وما احدثة من حراك تفاعلي عبر خريجيها الذين اتسمت حركتهم بالمساومة والتبريرات مما جعل العامة ينظرون الى حراكهم في المجتمع كحراك "صفوي" لايعبر عن الشعب .. حيث ان حركة الخريجين لم تخرج عن الاطار الفكري الذي رسم لها من اخرين ؟..
تحدث البروف "حواتي" عن المكان "الرقعة" الجغرافية وان اسم السودان تغلب عليه الوصفية بمعنى انه يتصل بصفة تغلب على سكانه وهي صفة اللون وهي صفة تصدق على غير سكانه .. وان اسم "السودان" على الرغم من الارتباط الوجداني والقانوني به لايتطابق مع شحنة ودفق التاريخ في "الرقعة" سواء من ناحية الاسهام الحضاري والارتباط العضوي والابعاد الجغرافية والتاريخية والنفسية .. وهنا يمكنني ان اتحدث كباحث مهتم بالدراسات السياسية والاستراتيجية عن تاثير مسمى المكان وماتركه من صراع في "الهوية" وداخل نفسية الذات "السوداوية" .. هكذا اقصد "السوداوية" وليس "السودانية" وبالتاكيد نحن لم نختار هذا الاسم لمكوننا السياسي الجغرافي ولذاتنا بل فرض علينا قسرا حيث كنا وما زلنا نمثل جغرافيا خط التماس الاول للتلاقي العربي الافريقي عبر الهجرات الاولى لارض الحضارة "المهجورة" الذي يمثل "الرقعة" المكانية لمسمى سياسي وليد لم يجدوا او يجتهدوا لاختيار الاسم لهذا المكان غير وصفا باللون "الاسود" الذي يميز بشرتهم .. فمن مفردة اسم "السودان" يتضح انه صيغة جمع ل"السود" يتضح ان الصفة "اللونية" كانت هي اساس للاختيار على الرغم من ان جل او كل القارة الافريقية وغيرها من الشعوب يتميز سكانها بهذا اللون من البشرة ولكن لسوء الحظ او لحسنه اننا اول من شوهد لديهم بهذا اللون الذي يغلب عليه "السواد" فكان الاختيار !!..
الكيان المكاني - السودان "الرقعة" او بلغة العصر عندهم "السوادنة" لم يسلم من تداعيات الاثر على المكان وانسان المكان على حدٍ سواء وكما يتضح لم يطلق هذا الاسم على المكان غير وصفا لانسان المكان ولم يتم خيار الاسم كوصف للذات السودانية بخصال وانما وصفا للشكل الظاهر .. وليس "الشكل الظاهر" بالعرج ولا العمى ولا المكون الشخصي كالشجاعة او الكرم اوغيرها ولكن اختاروا لنا الوصف باللون والعرق .. "سواد البشرة" .. اذن لم نختار هذا الاسم لذاتنا انما اختير الينا .. وعلى ما اعتقد اختير لنظرة "دونية" ليكون الاسم هو احد ادوات الصراع الانساني في "الرقعة" .. الصراع في "الهوية" .. الصراع في "الفكر" .. الصراع حول كل شئ .. وتداعيات ازمة "الهوية" في السودان لم تولد بعد "عقيقة" المكان الذي ظل دوما يذكرنا بالعرق والفوارق اللونية .. وان كان الاسم للمكان بغير وصف اللون او الوصف "العرقي" لما كنا استمسكنا باننا "عرب" ولما اختلفنا باننا "زنج" ولما تذكرنا حتى الواننا ولما كانت هويتنا مضطربة البنيان وهشة التماسك .. فكثير من المكونات المكانية "الجيوسياسية" غيرنا بدلت من اسماء "الرقعة" لتتواكب مع وحدة الهدف والثقافة "المكونيين الرئيسيين" لوحدة الهوية وبذلك تجاوزوا مطبات اشكالية مسمى المكان على ذواتهم وظللنا نحن نتمسك به ونغني له "انا سوداني انا" ..

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  80
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 22:24 الأحد 17 ديسمبر 2017.