• ×

/ 17:28 , الجمعة 18 أغسطس 2017

التعليقات ( 0 )

استراتيجيات...التسول .. ظاهرة احترافية‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اكثر مالفت انتباهي مطالبة مدير ادارة امن المجتمع بشرطة ولاية الخرطوم المواطنين بعدم اعطاء المتسولين "قروش" قائلاً وبعبارات قاطعة: "ما تدو متسول جنيه" .. اولى به اولادكم واقربائكم" وكشف في ذلك الصدد عن ضبط ادارته لاكثر من ١٧٠ مليون جنيه بحوزة "متسول" بجانب القبض على ٥٠٠ متسول يمارسون التسول كمهنة واحتراف .. وفي تقارير سابقة ذكرت ان للتسول عوالم تنظيمية وهياكل "نقابية" و"مشيخات" وزعماء يصدرون "فورمانات" التعيين وبراءات ممارسة المهنة .. وقد صار للتسول والمتسولين اساليب متعددة يستخدمونها لاجبار المحسنين علي دفع الجزية "الحسنة" اليهم وهم صاغرين .. ففي سابق العصر وسالف الزمان كانت "الشحدة" تتم بحشمة ووقار ومكانها الاوحد اكثر المناطق محبة للمتصدقين الا وهو دور العبادة امام ساحات "المساجد" .. ومع تطور الاداء المهني ل"الشحادين" انتقلوا من تكتيك "الشحدة" في ساحتها الى داخل "صحن" المسجد فما ان "يسلم" الامام معلنا انتهاء الصلاة وقبل ان يردد عقبه "الماموم" والمصلون "السلام عليكم ورحمة الله" حتى ينبري من اركان المسجد ووسطه بل وخلف الامام مجموعة من المتسولين كل يحكي قصته مع اظهار الاسى والحوجة والضيق بشتي السبل عبر السرد المؤلم للامراض المزمنة ويعبرون عن ذلك باعلى الاصوات عن مدي احتياجهم للمساعدة وطلب مد يد العون ويلوحون بالبطاقات والمستندات المؤيدة ل "لشحدة" .. اذن لماذا المسجد ؟؟ .. فقط لانه منطقة يفترض ان معظم من يرتادها في قلوبهم كثير رحمة وفي عقولهم بعض من الفقه واصول الدين .. لذلك كثر فيها التسول مما ادخل المصلين في حالة من الاستياء حال عدم اكمال اورادهم وتسبيحاتهم وفي بالهم الحرج من تعاليم الاية الكريمة "واما السائل فلاتنهر" .. وفي هذا المقام يدرك المتسول ان حصيلته من المال ستكون عظيمة كلما كانت القصة اكثر ايلاما وعلى مستوى عالي من الاخراج المسرحي و"التراجيدي" خاصة وان اهلنا في ذلك الزمان كانوا يذهبون بصدقاتهم الى "الجامع" تيمناً بنقاءها وبركة اخراج الصدقات فيها لمن يرتادها من المحتاجين والفقراء والمساكين ..
مع التطور العلمي وظهور علم الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي انتقل التكتيك في فنون التسول نحو استراتيجيات عديدة فيها كثير من الابتكار والتجديد والحرفية في اساليب وفنون "الشحدة" فاتجه مصمموا تلك الاستراتيجية الى اكثر المناطق "حساسية" لاجبار "المحسنين" علي الدفع لامحالة ومنها علي سبيل المثال لا الحصر :
تدخل الصيدلية لشراء دواء فقبل دخولك تجد من يسرقك النظر حتي تكاد تجزم انه يعرفك وبعد تناول الدواء ولملمة اطراف الباقي من النقود يهجم عليك ذلك الشخص الذي رايته عند دخولك ليحكي لك عن المرض وحوجة المرضى من المساكين وللتوثيق يمدد يده اليسرى تحمل "بخاخة" ازمة فارغة وبيده اليمنى ملف به عدد من الروشتات الطبية وووو ... وانت وقتها اكثر العارفين بالام المريض الذي اتيت لشراء الدواء اليه حبذا لو كان ابن اوبنت او والد او والدة .. وحينها دون ان تشعر واستشعارا منك بالرحمة تدفع كل او جل الباقي من النقود طلبا للبركة ومسالة لشفاء مريضك واحساسا بالشفقة ..
تقف امام "مسدس" محطة الوقود فتجد من يبحلق ببصره حولك وعند ساعة الحساب لدفع ثمن الوقود يطرق وبشدة على زجاج السيارة احدهم وكانه يطلبك دين مستحق ليظفر بما تدفعه نتيجة حساسية الموقف .. ولسان حاله يقول ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء .. لك مال وسيارة فارهة "مكندشة" و"قاعدة "جمبك الولية" او "الخطيبة" .. شوفوا الاحراج دة !
وانت تهم بالخروج من احد المطاعم الراقية وتحمل كيس ممتلئ من الوجبات الدسمة ومن يدري قد تكون هي المرة الاولى التي ترتاد فيها هذا المطعم .. نظام صرفت حافز وعاوز توسع علي العيال .. او اكملت جلسة رومانسية مع فتاة الاحلام .. في تلك اللحظة لو "شالوا الفي جيبك كلو ماعندك مانع" كيف لا وانت في حالة من اللاوعي وعاوز تظهر بمظهر فارس الاحلام الذي لايشق له غبار وحينها تدفع متصدقا لزوم الوجاهة لحساسية الموقف ..
4. في نقاط مبيعات الكهرباء وماادراك من كهرباء الدفع المقدم .. وبرضو وانت تتحسس جيبك لاخراج مبلغ محترم لسداد "الموية" والكهرباء المدعومة "المزعومة" وقبل فتح الهاتف "الجلاكسي" لاستخراج رقم "العداد" يداهمك من كان يراقبك عن بعد ليظفر بما لديك نتيجة حساسية الموقف وتدفع !! ..
اشارات المرور الطويلة بشرط ان تكون مدة الاشارة الحمراء ٩٩ وعند الانتظار وفاتح الكندشة ومظلل القزاز لزوم حفظ الترطيبة .. "تخلعك" خبطات الزجاج من اليمين ومن الشمال كانهم يستغلون حساسية الموقف وتدفع ضريبة الكندشة والفارهة ..
غيرها كثيرة هي المناطق الحساسة التي يصطاد فيها المتسولون زبائنهم مثل "الجزار .. و"الخضرجي" .. وحتى اماكن بيع "الباسطة" .. اما هنا فيكون الدفع خوفا من "العين" وشرورها ولذلك يستخدم المتسولين استراتيجيات محكمة وطريقة احترافية تتخذ من علم النفس وحساسية الموقف واستغلال الزمان والمكان والحال لاستجداء عطف المحسنين .. فقليل من المتسولين يحتاج للمساعدة ومد يد العون وكثير منهم من امتهنها مهنة ومارسها باتقان وجدارة .. "ربنا اكفينا شر شحدة المناطق الحساسة" ..

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  122
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 17:28 الجمعة 18 أغسطس 2017.