• ×

/ 03:58 , الجمعة 22 سبتمبر 2017

التعليقات ( 0 )

نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أذكر بعد يوم او يومين من إنقلاب (البشير) ومع تواتر برقيات التأييد ، والمراسيم الدستورية ، وحل هذا وتعليق ذاك ، وكانت الإذاعة السودانية والتلفاز القومي هما مصدرا الاخبار ، اذكر أن حينا القديم شهد وفاة لاحد الجيران ، فانفض الناس من حول حلقات الذكر الاخبارية وشرعوا في أداء واجب تجهيز الجثمان وتشييع المتوفي الذي حمل نعشه الي المقابر واقيم في موقع للصلاة عليه ، واذكر جيدا انه في هذه الاثناء عبر بسور المقبرة رتلا من السيارات الفارهة (البكاسي) عالية الغبار والضجيج ، ظننا للوهلة الاولي انهم من بعض اهل الفقيد يلحقون (الدافنة) لكنهم عبروا عدوا وبشكل ينم عن عجلة ورغبة سبق واتجهوا حتي غابوا بالافق البعيد ، تاركين للمشيعين ثرثرات الفضول وسمعت كبيرا بالقوم يؤكد ان هذا (فلان) وكان وزيرا في الحكومة (المقلوبة) والمغلوبة ، وان هذا موكبه يفر لينجو من قبضة العسكر وظلمة السجن الحربي !
لاحقا وفي مجلس العزاء تفتقت عبقرية الرواة عن قصص درامية عن الانقلاب ، واذكر ان جارا لنا ظل يباهي جاره بالجنب ان رفيقه (الرقيب اول) بإحدى الوحدات المهمة كانت بحوزته كل مفاتيح القيادة العامة بما في ذلك مخازن الوقود والاسلحة وان الانقلابيين اضطروا لارسال (ضابط عظيم) برفقة (لاندروفر) ومفرزة من الشرطة العسكرية لايقاظ (الرقيب) وحملوه معززا الي عضو بمجلس قيادة الثورة لتسليم المفاتيح ! وان هذا الجار لو انه مثل كل جمعة ذهب لشراء السمك من جبل الاولياء فلربما تغيرت اتجاهات الاحداث ؛ يريد بهذا ان يرسم هالة افتراضية بالطبع.
بالطبع لم يكن الموكب الذي رأينا ثالث ايام انقلاب الانقاذ يخص وزيرا فارا او غير فار ، وقد التقيت الوزير المعني بالرواية لاحقا وهو الان قد تخلي عن المعارضة وجحيمها وذكر لي انه سكن في مكان آمن وفره له حزبه ودبرته له جماعته ثم شق الفيافي في الامسيات حتي الحدود مع الحبشة ودخلها آمنا ومنها انطلق ، وبقيت الرواية الشعبية محض حديث وخاطرة يتطوع بها متحدث في مقام البذرة ثم يرعاها غيره بالسقيا حتي تتحول الي شجرة ذات ظل وفروع وربما بعض ثمر يقتات به اهل الفضول اللزج من عشاق الخزعبلات.
مثل هذا كثير ومتعدد خاصة حينما تنفش غنم القوم في حرث الخيالات وربط الوقائع علي قوائم طلاسم الاحداث ، لذا لا تتعجب هداك الله ان سمعت عن (طبنجات) اخرجت اثناء صلاة التراويح او عراك بشد العمائم في محفل او ان فلان قيد الي الحبس ، بل ان البعض له بصيرة رصد الاستجوابات المزعومة بإضافة كيل بعير من بهارات القصص والملح السياسية هذا بخلاف انتقال الامر لتقديم مرشحين صفيت اسماؤهم واخرين لمع لهم برق السعد في انصبة التغيير.
هذا الوضع ارتبط مع كل احداث ذات ضجيج ، منذ ايام (مايو) وقصص ان من يدعوه الرئيس (النميري) الي الغداء فإنه لا محالة سيكون في السطر الاخير من نشرة الاخبار التي كانت تشنف اذان السودانيين حين يضعون جوعهم بعد الظهيرة اذ يذاع خبر اعفاء الوزير وهو برفقة رئيس الجمهورية علي مائدة مأدبة ! وهو قول شائع وقصة شعبية رسمت مسلكا وعادة غذتها الاقاصيص الشعبية ولم تقرها طرائق المراسم في سلوكيات الاعفاء والتعيين لكنها رسخت حتي رسمت حولها الطرائف.

جهةالنشر:صحيفة(الصّحافة) ... تاريخ النشر: الإثنين١۹يونيو٢٠١٧م

بواسطة : محمد حامد جمعة نوار
 0  0  31
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 03:58 الجمعة 22 سبتمبر 2017.