• ×

/ 22:24 , الأربعاء 16 أغسطس 2017

التعليقات ( 0 )

إستراتيجيات - المراسم .. و "دبلوماسية البيانات الصامتة" ‼‼

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المراسم والبروتكول هي مجموعة قواعد انسانية قديمة ابتكرت لتنظم اعراف وتقاليد البعثات الملكية واللقاءات الرسمية بين الملوك والحكام والاباطرة في سالف الزمان وقد استبان ذلك من خلال الرسومات والنقوش الجدارية في المتاحف والقصور والقبور والتماثيل التي اثبتتها الحفريات الاثرية .. وقد نقشت تلك الجداريات منذ الاف السنين اي قبل الميلاد واظهرت بجلاء اتباع طقوس ومهارات عالية في المراسم والبروتكول منذ ذلك الزمان وذلك من خلال طريقة سير واستعراض الجيوش امام الملوك وتسليم رسائل المبعوثين اليهم اضافة الى طريقة استقبال الضيوف في البهو الملكي وطريقة الجلوس على العرش وطريقة ونوع الملبوسات .. وكشفت تلك المصورات في التاريخ القديم عن ممارسة لاعراف وتقاليد راسخة لمفاهيم علم المراسم في العصر الحديث .. وفيما يرى البعض ان اجراءات المراسم والبروتكول هي اجراءات عالمية موحدة تتميز دون غيرها من اللوائح بالصرامة والقسوة في التطبيق يرى اخرون انها مجرد تصرفات انسانية في المقام الاول تراعي المعتقدات والاعراف والعادات والتقاليد التي تتميز بها كل دولة عن الاخرى بل وكل مجتمع عن الاخر ففي دولة يعتبر تقديم المشروبات الروحية من المحرمات وفي الثانية مباح وفي الثالثة متاح وبينما يتم تقديم الانثى على الرجل في بعض المجتمعات "lady is first" ففي بعضها يعتبر ذلك من الاهانات البالغة .. وفي بعض المجتمعات يعتبر تقديم شواء لحوم "الخنزير" قمة الضيافة وكرمها ولكن في مجتمعات اخرى من المحرمات وهكذا دليل واضح على تعقيدات الممارسة المهنية للمراسم والبروتكول او التشريفات "كما يطلق عليها في المنطقة العربية" ..

في السودان على الرغم من خصوصية الممارسة المهنية المتخصصة الا ان الاجراءات المراسمية في عموميتها اصبحت ثقافة مكتسبة للكل من خلال اشتراك الجميع في تنظيم لوائحها ولكن هنالك دقائق وتفاصيل لايلم بها الا اهل الاختصاص من لدن الرعيل الاول لممتهني المراسم والبروتكول والتشريفات بادارة مراسم الدولة والذين منهم على سبيل المثال "عوض جاد الرب" و"عبدالرحيم سعيد" و "نديم عدوي" و "نبيل مراد" و "عبدالله الشيخ نور الدين" الى مقام الاخ "عاطف عبدالرحمن" واركانحربه من الخبراء والمعتقين "احمد عبدالقادر وضياء وعلي محي الدين وامير احمد وعبدالحليم وابوبكر ومحمود وعماد هباش وعبدالحميد" وبقية العقد الفريد الذين ظلوا يقدمون مهارات عالية المستوى من الاداء في اعمال المراسم والبروتكول في السودان ويقف الى جانبهم زملائهم بمراسم مجلس الوزراء الاتحادي ووزارة الخارجية والمراسم العسكرية والامنية والوزارات الاتحادية وادارات المراسم بحكومات الولايات بوزاراتها ومحلياتها والذين ظلوا جميعا جنود مجهولون يصيبهم "القرح" بما يغترفه غيرهم من هنات واخطاء في المراسم والبروتكول يتسبب فيها اخرون وتكون مسار حديث الناس والاعلام والاسافير ..

الشكل العام للمسؤولين والدبلوماسيين وما يتبعه من المام بقواعد واصول المراسم والبروتكول ينعكس من خلال مظهرهم حسن ولباسهم ولائق وكياسة ولباقة و حسن تصرفهم وسعة اطلاعهم على تلك القواعد والاصول هو دعامة اساسية لنجاحهم ويحدد ذلك السلوك السليم او المتعارف على قبوله فيما يتعلق باصول الدبلوماسية وشؤون الدولة ومثال لذلك ضرورة اظهارهم الاحترام المناسب لرئيس الدولة ومبعوثيه ومراعاة الترتيب الزمني والمكاني حسب الاسبقية والتراتيبية المراسمية عند تنظيمهم في مجلس او مقابلة او اجتماع وكيفية تقديم انفسهم للاخرين وحساب كل الحركات والسكنات التي يقومون بها بحكم انها لاتنسحب على شخصيته فحسب بل تتعدى ذاته الى اهانة بلاده حكومة وشعبا .. بالاضافة الى اهمية ان يكون مطلعا ومتقيدا بالقواعد والاصول "البروتوكولية" في البلد التي يزورها او يبتعث اليها او التي يعمل فيها..

بالامس ضجت "الاسافير" ومواقع التواصل الاجتماعي بتداول "الصورة الفوتغرافية" التي جمعت "السفير"/ سامح شكري وزير الخارجية المصري والبروفسير/ ابراهيم غندور وزير الخارجية السوداني عند استقباله له بمطار القاهرة حيث تحدثت "التغريدات الاسفيرية" عن ملاحظتين تعدان من الاخطاء "المراسمية" التي تصل الى حد القصد .. الاولى هي عدم نصب علم السودان خلف الوزير السوداني اسوة بنصب العلم المصري الذي زين خلفية جلوس الوزير المصري اما الملاحظة الثانية فهي لبس الوزير المصري ل"تي شيرت اخضر" من خلف سترة ال "جيكت" "يعني" ظهوره "كاجوال" .. مما يعد مخالفا للاعراف المراسمية والدبلوماسية المتعارف عليها في الاستقبالات الرسمية لوزراء الخارجية ولايفوت على فطنة القارئ ان ذلك الامر خطأ عابر والسلام لرجل مارس العمل الدبلوماسي لاكثر من ٣٠ عام ك "سفير" قبل ان يصبح وزيرا لخارجية بلاده ..

يقودني ذلك الى الحديث عن ارتكاب الاخطاء في المراسم والبروتكول والتشريفات وهي كثيرة وشائعة فمنها مايصنف ضمن الجهل بالقواعد والاصول البروتكولية ومنها مايصنف ضمن السهو والايحاءات المعتادة او التصرفات العفوية ولكن منها مايصنف ضمن توجيه الرسائل المقصودة او مايعرف بلغة "البيانات الدبلوماسية الصامتة" والمراسم والبروتكول من اكثر الممارسات المهنية التي يتم من خلالها استخدام تلك اللغة فمثلا "فتور" الاستقبال وعجلته ينم عن تجاهل مقصود يوحى عن تعامل بالمثل قد جرى سلفا او لتوجيه احتجاج صامت يعبر عن رسالة محددة وعكس ذلك فان "حفاوة" الاستقبال دليل على رضاء توافقي بين اطراف اللقاء .. وقد اشتهر بهذا النوع من الاخطاء الرئيس الفرنسي الاسبق "فرانسوا اولاند" وذلك باظهار عدم تركيزه حيال الرؤساء الاخرين عند مصافحتهم فالمفترض ان ينظر المضيف فى وجه ضيفه عند المصافحة .. وخطأ "اوباما" الشهير فى عدم احترامه للمناسبات العامة حيث ظهر فى تابين*الزعيم "مانديلا" مندمجا فى التصوير مع رئيسة وزراء "الدنمارك" .. وكذلك خطا الرئيس الروسي "فلادمير بوتين" مع المستشارة الالمانية "ميركل" اثناء لقائه معها فى وجود كلبه الشرس حيث فسرها البعض بانها رسالة قصد منها توجيه "بيان دبلوماسي صامت" لتخويف اوروبا .. لكنها لاتليق "بروتوكوليا" .. أما الاخطاء الشائعة والتي تدخل في مضمون رسائل "البيانات الدبلوماسية الصامتة" مثل النظر الى الساعة او تعديل الهندام امام الكاميرات والدخول بالخطأ على منصة الخطابة الخاصة بالمضيف وجعله في مرتبة ادنى ..

من اكثر الاشياء اثارة للجدل تصيد الاخطاء في المراسم والبروتكول التي يرتكبها كبار المسؤولين او ترتكب ضدهم مما يجعلهم عرضة للسخرية والتندر فلذلك عليهم وعلي ممارسي مهنة المراسم تفهم اصول ولوائح المراسم والبروتكول للتفريق بين الخطأ المقصود منه توجيه رسائل "البيانات الدبلوماسية الصامتة" والخطأ غير المقصود والغير مؤثر .. ولكى نكف عن تصيد الأخطاء بغير علم ودراية يجب ان يترك الامر لاهل الاختصاص .. ونرجع لصورة "شكري - غندور" فالحكم عن وجود خطأ في عدم نصب العلم السوداني خلف مقعد "غندور" فان الامر يختلف وفق المكان الذي التقطت فيه الصورة فان كانت بمكتب "شكري" او بصالة كبار الشخصيات فان من الثابت كقاعدة مراسمية ان ينصب العلم المصري فقط في مكانه الدائم خلف مقعد "شكري" ولكن الامر يختلف ان كانت الصورة التقطت بموقع التصريحات الصحفية "البيان الصحفي" او صالة المباحثات المشتركة او مقر اقامة الوزير "غندور" فان من القواعد البروتكولية نصب علمي الدولتين خلف الوزيرين على حد سواء .. اما مايخص ال "كاجوال" فيمكن ان يفسر في غير صالح استقرار العلاقات بين البلدين ويعتبر من ضمن الرسائل المقصود منها توجيه "بيان دبلوماسي صامت" والتي عادة ما ترسل عبر الاعراف والتقاليد البروتكولية وهذه يجب الرد عليها في اقرب زيارة لوزير خارجية مصري قادم لزيارة الخرطوم واقترح حينها على وزير خارجيتنا باعمال قاعدة المعاملة بالمثل ومقابلته في المطار ب "العراقي والسروال" ...

بواسطة : د. عصام بطران
 0  0  102
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 22:24 الأربعاء 16 أغسطس 2017.