• ×

/ 05:56 , الإثنين 18 ديسمبر 2017

التعليقات ( 0 )

عودة جاموس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أيام الإنقاذ الأولى، وبدايات تكوين الهيئات، والتشكيلات الساندة للثورة الوليدة، وانخراط جماعات مقدرة من الشعب في هذه الواجهات، يقودهم رجال مبادرون، ونساء مبادرات، إذ احتشدت الساحات بمظاهر التأييد، الذي ينبع من يقين فكرة التغيير، ورفع رايات الإسلام على ركام الدولة العلمانية، التي خططت لها (الأيدي الخفية) وحملت الحكومة أوانئذٍ على طي صفحات أية سمة إسلامية متعلقة بالدستور أو القانون (سبتمبر) الذي تربصت به دوائر الإعلام الموجه (اليساري خاصة)، وسخر منه الساسة إياهم (سخر الله منهم).
في تلك الظروف كان (جاموس) يتقدم صفوف الدعم الشعبي، ويقود جماهير أم بدة في هذه الملاحم الشعبية، وأبلى أحسن البلاء في العمل لشعبي والدفاع الشعبي، إلى أن حلت بالناس (الغاشية) التي جعلت الحليم حيراناً، وانحط السمو النفسي من علو التدين إلى حظ الانتماء الجهوي والعنصري، وتفرق الناس في أودية الهوى، وتجابذوا الأمر، واشترعوا الاقتتال تحت مسميات (حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان)، وهذا ما كانت تنتظره (الدوائر المتربصة) فتلقفت هذه المجموعات ودعمتها بالسلاح، والإسناد السياسي، والدعائي الإعلامي، حتى تستنزف قدرات الوطن الواعد، وتفرق الجموع وتصدهم عن هذه (الراية الزرقاء) التي كان لها صيت في دولة سنار (السلطنة الزرقاء) التي عمرت ما بين القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر، بما يبلغ ثلاثمائة وستين عاما بالتمام والكمال.
ثم لمع نجم الدولة المهدية، الذي أضاء للناس معالم الطريق للحق والحرية في لجة ظلمات الحكم الإنجليزي التركي، وأذاقت الإمبراطوريات طعم الهزائم، حتى أجهزت عليها (المؤامرة المصرية) باستقدام الإنجليز للمرة الثانية عام 1898م. ولذلك يحذر هؤلاء أبداً من تكرار التجارب، ويحرصون على حرمان الشعوب من مصدر الإلهام والقوة (الإسلام)، ويذروها تأكل وترتع بعيداً عن موارده العذبة. وهناك فعلاً تفرق الجمع، وضعف الأمر وذوى، وعاد محض سلطة، بالكاد تتشبث بالقيم والشعارات التي استلهمتها الثورة في سنواتها الباكرة.
إذن، الأخ (جاموس) لم يكن مفردة لوحده، إنما عصفت به الأقدار (مغنى فمغنى) على رأي الشاعر إدريس جماع، فوجد نفسه هكذا في تيار غالب، مناوئ لأصل الدولة التي ينتمي إليها، وفي مقابل إخوانه الذين كان بالأمس في معيتهم. ثمّ تبقى الأيام كفيلة بمداواة الجراح، وتصحيح الأفكار، خاصة الأفكار المصنوعة لن تلبث حتى تذبل وينحسر عنها غطاء الخديعة، الذي تمخطرت به حركة العدل والمساواة، ووضعت نفسها الخيار البديل لكل الوضع القائم في (السودان القديم) ربما محاكاة لمشروع جون قرنق الذي يتحمل إثم التحريض والدفع في اتجاه تقسيم المجتمعات لطبقات وعناصر، وإدارة الصراع الطبقي وفق نظريات الفكر الشيوعي والجدلية التاريخية، وبقية الإفك، والسحر الذي بطل أمام أعين العالم في ضحى التحدي، وهذا ما تعانيه اليوم الحركة الشعبية في دولة جنوب السودان، وهي تحصد ما زرعته بالأمس.
الهزائم التي لحقت بحركة العدل، والمساواة وحركة تحرير السودان، بدأت من الفرز العنصري داخل هذه الحركات، وجملة المظالم الواقعة بإدارة هذه الحركات، في إثرة الأولياء والأقربين، والتصرف في الأموال، والدعم، والهبات، بلا رقيب ولا حسيب، والاغتناء الفاحش من خلال المتاجرة بمآسي الحروب، وتضليل المنتظرين في المعسكرات (التي تشبه المعارض لمآسي الإنسانية من أجل استدرار الدعم) الذين طال انتظارهم للوعود الكاذبة بحكم السودان ووراثة الأرض، والأصول، والمنقولات، والعودة المظفرة المجللة بالنصر، وغيره من الكذب الصراح الذي مارسه هؤلاء القادة، وهم قابعون حيث السلامة والرفاهية مع أسرهم وأولادهم في المدارس والجامعات.
ثمّ تأتي الهزائم العسكرية الساحقة، التي حققتها القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع، لأنها قوات وطنية، تدافع عن حق الوطن، وأمن المواطن، ولذلك أفلتت منها الخيار العسكري تماماً، مما أثر على تماسكها كقوة عسكرية، وتملص منها كل عاقل، وتفرق جمعها، وما عادت ذات قيمة، ولا تساهم في صناعة المستقبل بأي مقدار.
ثمّ انتهى مآلها الخلافي إلى مستوى القيادة، التي تتزين بالصبر، وتتجمل بالكذب لأطول وقت، ولكن لابد للحق أن يدمغ الباطل فيزهقه، ولذلك ضربت الخلافات هذه القيادات، وعادت مجموعات مقدرة منهم إلى الوطن، وانشقت جماعات أخرى، حتى أصبحت الظاهرة الانقسامية سمة تلازم هذه الحركات.
ثمّ جاء نداء السلام والحوار الوطنى، ليفتح باباً آخر للعودة، ويقطع الشك باليقين بالضمانات المتاحة، والمشاركة في الحوار والحكم، وكامل الحقوق في الوطن الذي يسع الجميع وزيادة (كم مليون لاجئ).
لعل الأخ (جاموس) بعودته يذكرنا المبادرات الشعبية الساندة، ونستغفر الله العظيم ونستعيذه من نزغ الشيطان الذي أودى بالناس إلى حد الخصومة والاقتتال.
مرحباً بالأخ جاموس ومن في معيته من الشباب..

بواسطة : اللواء يونس محمود محمد
 0  0  49
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 05:56 الإثنين 18 ديسمبر 2017.