• ×

/ 07:37 , الجمعة 22 سبتمبر 2017

التعليقات ( 0 )

دكتور إبراهيم التكينة يكتب لـ(كيم) مقتحما الفردوس المفقود لمحمد أحمد محجوب من (خلال ديوانه قلب و تجارب) (2)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تمجيد الطبيعة
الطبيعة منذ قديم العصور مصدر إلهام للشعراء ، و مبعث مناجاة لهم لما لديها من تأثير باطني يدفع إلى الإبداع ، وهي جزء من المحجوب و مصدر سلام له في مسيرته الحياتية المليئة بالعواصف التي تعود العمل خلالها، و يتضمن ذلك :
الجانب المادي
و المحجوب هنا " يعطي اهتماما وثيقا و ارتباطا مع تفاصيل البيئة المادية من حوله و يقربه هذا من William Wordsworth ويليام وردزورث الشاعر الإنجليزي(1770-1850) إذ يغلب عليه التقاط مفردات الطبيعة لترصيع شعره مثل "الريوة" " الجبال الشاهقة "، الآرام " ، الأراك" " الغيم " " السحب " و " الباسقات من الأشجار " تمسك بها بعض الصور البيانية كما في كلمتي "كساها" و " تناجي " في البيتين الثاني و الثالث الآتيين وهو ليس كثيرا في وصف الطبيعة حيث يقول(7) :

أما رأيتَ بسنكـاتٍ و ربوتـِـها صـفوَ الحياةِ و عيـشَ القانعِ التِّعِبِ
و الشاهقاتِ كساها الثلجُ فانبعثتْ في" أركويتَ" تناجي السُّحبَ عن كَثَبِ
.. وهل رأيتَ مـن الآرامِ راتـعةً تحت الأراكِ فلـم تُجْفِـلْ و لـم تَعِبِ
و" كردفانَ " أما شاهدتَ نضرتَها عند الخريفِ و قد غامتْ مع السُّحُـبِ
و الباسقاتِ منَ الأشجارِ يقصـدُها طلابُ فنٍ و مَنْ يشكون من نَصَــبِ

أَنْسَنة الطبيعة
و هذا المصطلح انتشر مؤخرا إلا أنه ضارب في القدم منذ أمرىء القيس عندما خاطب الليل بقوله " ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ..." و كمجنون ليلى عندما كان يهيم مخاطبا الجماد و الحيوان و كويليام وردزورث(8) و حديثا من أمثال الشاعر إدريس جماع مع جبل الرجاف و الغوانتمالي المعاصر همبرتو إقبال Humberto Ak'abal ( ولد سنة 1952) في صلوات الأشجار (9). و هذه الأنْسَنة أو الرَّوْحَنة تتكرر في شعر المحجوب حين يرى صورة النيل يحيط بالجزيرة ( و لعلها جزيرة توتي ) فيضفي على الموقف صوتا من الأنسنة يتجسد في
رؤية النيل عاشقا ولهان يعانق وَلْهى ، فيتوحدان كما يتوحَّد العشاق و يحتوي أحدهما الآخر بين أضلعه خوف الفراق ، يقول (10) :


يا لَلْجزيرةِ أسبلتْ أهدابــا و الموجُ يرقصُ حولها مُنسابا
النيلُ طوًّقها ، و زيَّنَ جيدَها .. يٌضْفي عليها سندساً و حبـابا
كالعاشق ِ المفتونِ طوَّقَ إلفَـهُ خوفَ الفِراق ِ، ولا يَحيرُ جوابا
ينسابُ نحو الثغرِ متئدَ الخُطـا لـو عاد من سَفَرٍ لَرَقَّ و طابا
تمضي الحياةُ به ، و يُوْسِعُهُ النـوى في لُجَّةِ البحرِ المريرِ .. عذابا

و هو في القصيدة نفسها يخاطب النيل لما تَبدَّى له من جماله و هو يسجل التاريخ عبر العصور ، و يمنح الفنون رحابه ، و ينثر جزئياته الجمالية: من طيور تغني ، و نخل يطرب ، و ظلال تمتد، و زهر يلثم ، يقول (11) :

يا نيلُ قد شهدتْ جمالَك أعصرٌ و تفيَّأَتْ منك الفنونْ رحابــا
متجددٌ في كل وَمْضةِ خاطــرٍ شاب الزمانُ.. و لا تزالُ شبابا
بكَرَتْ تُغنِّيكَ الطيورُ كأنـــها رُهبانُ دَيْرٍ ، يرهبـون حسابـا
و تمايل النخلُ الطروبُ كأنـه أيدٍ تُلَوِّحُ .. ترقُـبُ الأحبابــا
و تعانقتْ فيكَ الظلالُ كأنــها بُسْطٌ تهيئُ للنَدِىِّ شـــرابـا
و افترَّ ثغرُ الزهرِ يلثُمُ بُرْعُماً.. و يفوحُ عِطْراً فاتناً خَــلاَّبــا
و ضحكتْ في شَفَةِ الضفافِ فأيــــنعتْ مُهَجُ الحياةِ زنابقاً ورغابــا

النزعة الإنسانية :

وأعني بها التعاطف الإنساني مع الفرح و الألم بكافة ألوان الطيف ، و التجاوب مع أصداء الحياة : شروقها و غروبها ، و أظهر ما يكون ذلك في الشعر لأنه كما يقول الشاعر المصري علي الجارم رحمه الله( 1981-1949م ):
الشعرُ أنشودةُ الفنان ِ يرسلها إلى القلوبِ فنَحيــا بعدَ إفقارِ

و نستشف بعض ذلك لدى المحجوب في الجانبين العام و الخاص .

المواساة العامة

مواساة الفقير

رغم ما عرف عن المحجوب من أرستقراطية إلا أن ذلك لم يحرمه من تقديم واجبه الإنساني تجاه الفقراء و المستضعفين ففي أغواره نزعة إنسانية حاضرة عبر عنها في شعره ، منها مواساة الفقير و إغاثة المحتاج ،فالمواقف المحزنة تثير لديه الشفقة ، و تدفعه الى التعاطف ، و هاهو في ليالي الشتاء الباردة يساءل كيف يعيش الفقراء ، ماذا لديهم من العدة ووسائل المقاومة عندما يعضهم الجوع ، أو يمزق جلودهم البرد ، و هو في هذا المضمار ، مساهمة منه ، يستعين بمفردات كبيرة من مثل : عض ، مزق ، فرى ، غزا ، السنان ، يقول(12):

يا ليالي الشتاءِ مَنْ لفقيـر ٍ عضَّهٌ الجوعُ عاريَ الأبـدان ِ
مزَّق البردُ جلدَه و فـراهُ، و غزاهُ السِّنانُ بعد السِّنــان ِ
بات يشكو و ليس ثَم َّمُجيرٌ، يمنحُ البائسينَ بعضَ الحنـان ِ
يا ليالي الشتاءِ حسبُك ِ قُرَّ اً قد سرى في عظامِنا غيرَ وان ِ

تمجيد الشهداء

و أعلى رتبة للشهادة كما جاء هو " من مات في لقاء العدو مقبلا غير مدبر و كان قتاله لتكون كلمة الله هي العليا" و لهؤلاء الذين خاضوا المعارك وضربوا مثلا في التضحية ، سطر المحجوب لهم أنموذجا بلسان حال أحدهم ، صاغه بنبض الشعر الحر الذي هو شكل من التجديد كان أحد رواده في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي . و لأن الشهيد شخص فريد يخرج عن الإطار العادي أو السائد للحياة فقد وضعه المحجوب في نمط من الشعر الحديث لأن فيه خروجا عن المألوف القديم للقصيدة العربية . يقول (13) :

لا تحزني ،
فالعائدون سيكتبون ،
قصيدةً عن قصتي،
و سيذكرون ،
على المدى ، إشراقه البطل ِالشهيدْ .
و يرددونْ ،
نشيدَ حب ٍّ خالد ٍ،
سطَّرْتُهُ،
يوم الوغى ،
بقذائفٍ من مِدفعي!
كانت تُجَلْجـِلُ في الفضا

... أنا لن أموتْ.
و العائدون سيكتبونَ
ملاحماً و قصائدا
... و سيقسمونَ،
قسما يقدسُهُ الجدودْ:
أنا لن أعودْ ،
و أنا الشهيدُ
الحيُّ ،
في دار الخلودْ.

و كما قيل(14) " لا تقل مات الشهيدْ ، إنه حي سعيد ، إنه في كنف الرحمن ، مثـــواه الخلود ، ودع الدنيا رضيا ، وهو بالروح يجود ، عن حياض الدين يوم الروع هب يجود"

المواساة الخاصة

و هي من أهم مظاهر النزعة الإنسانية التي تحكم العلاقات بين الناس ، و أهم ما تكون عند الفراق ، و أفضل ما تكون عندما تبكي الكلمات صديقا توارى تحت الثرى ، أو حبيبا غيبه اللحد ، و هي تجربة خاصة قد تحمل صفة العموم مع الشخصيات المعروفة في الوطن ، تعبر في طياتها عن التعاطف و المودة و تقاسم المشاعر .
و في ديوان قلب و تجارب نجد هذه النغمة المواسية في رثاء لخليل فرح إلا إنها في رأيي باهتة أقرب الى النظم أو قل إلى الذهنية منها الى الشاعرية ، يقول في مطلعها (15):

غاب في الرمس "خليلٌ" و استترْ شاعـــرً فذٌ و فنــــانٌ أغـــرْ

مَلَكَ الحــب ُّعليـــــه قلبــــــــــَــهٌ ليس في الحبِّ هوانٌ أو ضررْ
من ينافي طبعُـهُ الحـــبَّ فــلا يعرفُ الشمسَ و لا يدري القمـرْ
و فيها يقول ::

بـدأ الحــب صغيرا لاعبــــاً في مُجونٍ هو أحْـــرى بالصـغرْ
كم تغنّــى بفتاة ٍ و احتســــى من كؤوس الخمرِ ما يطفــئُ الشررْ
و تفانى في هواهـــا زمنـــاً يرصدُ الأشباحَ من خـلف الحُـــجَرْ

و في ختامها يقول :

سيرةُ المرءِ عــزاءٌ بعــــدهُ لنفوس تتعــــزَّى بالأثــــــرْ
فلنخذْ ذكــــر فنـــان ٍقضى بعــد أنْ خلّـــد فتــان الصــورْ

فكما نرى ، الدفقة الشعورية ضعيفة ، أقرب ما تكون لتجميعات عقلية لم تَْعبُر بقلب الشاعر . و المحجوب هنا ليس في أحسن حالاته. أما في ذكرى عرفات محمد عبد الله (16)ففيها تختلط الهَتَفَات العاطفية بالشحنة الفكرية و تتولد من ذلك أبيات لافتة للنظر جاء فيها 17) :

ذكراك خالدةٌ تهزُ الجيــــلا و جميــلٌ رأيكَ لا يــزال جمــيلا
مرتَ عهودٌ و الحوادثُ جمـةٌ لم ننسَ فيــها جَهْــدَكَ المبــذولا
و النيـل مهما مرتٍ الأيـامُ لا ينسى فتـىً كالســيف قُـدَّ نبيلا
...قلت الجهادُ فما توانَوا لحظـةً و بريتَ من حـدِّ اليــراع صقيــلا
و مضيتَ تنفثُ في الشبابِ مبادئاً كانتْ لإدراك ِ الحقوق ِ سبيـــــلا
و ضياءُ فجرِك مرسِلاً إشعاعــهُ هتكَ الظلامَ و أشعلَ القنديـــــلا
و أعاد للفصحى قديـــم زمانها و أقام دَوْحاً للبيــــــــان ظليلا
في كل بيتٍ مــن كتابِكَ نسـخةٌ تُليَتْ فكانتْ أيــــــةً و دليـــلا

و يصل المحجوب ذروته في النزعة الخاصة عندما يرثي والدته " فاطمة بنت عبد الحليم" ، و يضع نفثاته على الورق في موالٍ باكٍ بعنوان " بنت الأمير" جاء في مقدمتها و هو يواسي نفسه و يصور ذاته بعد فراق أمه (18):

أمي العزيزةُ لا تجيبُ ندائــي و عهدتُها تبكــــي لمر بكائـــي
لم يبقَ في دنياي ما أشقى بـه من بعدِ ما خُبِّرتُ من أنبـــــــاءِ
ذهب الرجاءُ و لم أكنْ مترقبـًا آيَ العزاء ِ و قد فقدتُ عزائــــــي
ما كنت أحسبني و قد شطَّ النوى أني أفارقُها لغيـــر لقـــــــاءِ


و كشف أن والدته خلال النزع الأخير كانت ترجو له عيشة طيبة ، و حياة رغدة ، و تود أن تعرف مصيره حتى بعد رحيلها ، يقول :

في ساعة النزعِ الأخيرِ و هولِهِ ما همهـــا إلا جزيــــلُ هنائــي
و تودُّ لو أني أعيشُ منعمــًا و أنالُ ما أهواه مـــــن عليـــاءِ
و تود لو تدري مصير وحيدها من خلَّفتْه كرائــــد الصحـــــراء

و في نهاية المطاف يرجو الله أن يلهمه الصبر الجميل و يرجو لها الرحمة فيقول :

و الله يٌلْهمني الجميلَ مضاعفاً و يعُمُ قبرَك بالسنــا الوضـَّــــاءِ

المرأة

للمرأة صور جميلة في الشعر العربي قديمه و حديثه ، فهي رمز الحب بشِقَّيه: ماديِّه و عذريِّه ، على أن الجانب المادي لغة الحس -كان طاغيا ، حيث وضع المرأة في إطار تقليدي ضيق لا يخرج بعيدا عن إطار التشبيب و الغزل و التغني و الافتتان دون تقدير للعقل . و تاريخ الأدب العربي - عبر العصور- حافل بمثل هذه الصور و يشمل ذلك عروة و المجنون و جميل و ابو عثمان الجاحظ كما يشمل الشعراء الجادين من أمثال المتنبي و ابي العتاهية و ابن الرومي ، أما المحجوب فقد قدم خلطة تغطي كل العصور، على أنه في أحسن حالاته عندما يكون عاشقا مولَّها متغزلا. و هاهي صور المرأة في شعره تنساب من دون حواجز:

المرأة في الدفاع عن الوطن

و في هذا يرى المحجوب أن المرأة شريكة في العمل الوطني ، و لها دور فاعل ، و حضور متميز ، و هاهي تتمرد و تخيب ظن من يعتقدونها تتزين ( تضع الحجل) للفت النظر ، و تخفق في الميادين الأخرى ،و يدحض هذه الفكرة بالدور المجتمعي للمرأة من حيث دفع مسير النضال بنزولها الى الحياة اليومية و هتافها في محافل النضال ، و هي خطوة في الاتجاه الصحيح فالزوجية والأمومة و المواطنة تتطلب العلم و الدفاع و الطمأنة، و ليس أقدر على ذلك من أن تدافع المرأة عن نفسها وأسرتها ووطنها، و ها هو المحجوب يقول (19):

زعموكِ يا ذاتَ الحجالِ أسيرةً للقيدِ لا تَقْوى على العصيان ِ
فحطمتِ قيدَكِ حرةً مبـرورة ً و سفرتِ ثائرةً على الطغيانِ
كنت ِالطليعة َفي الجهادِ فألهبتْ نيرانُ صوتكِ ثورةَ الفتيــانِ

همسات الذكريات

و الذكريات صدى السنين الحاكي كما يقول شوقي ، و هي التحدي الكبير الذي يسترجع قيم الحياة و يعزز اتجاهاتها ، و يسيل دموعها و يجدد شعورها بالحب أو الكره ، الحسن أ و القبح ، الأنس أو الوحدة ، الفرح أو الألم ، التفاؤل أو اليأس ، المد أو الجزر ، أما المحجوب فتقوده ذاكرته الانتقائية الى سنوات مختزنة ، تحمل تجاربه ، و يستعيد تفاصيلها ، و يستحضر جزئياتها متفجرة ترصعها أزهار روض و خرير مياه ، و ترنم قمري و ثغاء شاة ، يقول (20) :

ذكراكِ يبعثُها السماءُ الباكي يا آيــــــــةَ الإبداع ِ في دنياكِ

مرتْ بنا الأعوامُ وهي فتيــــــةٌ ذكرى أٌُمجِّدُها عن الإشــــــراكِ

كنا صغاراً يستفِزُّ قلوبَنـــــــــا حُسْنُ الطبيعةِ والنسيمُ الحاكي

ونواضرُ الأزهار في تلك الرُّبى وخريرُ جدولِها الأسيفِ الشـاكي

وترنَُمُ القمريِّ في أفنانـــــــــِـــه وثغاءُ شاةٍ أو صغيرٌ باكــــــــــي
ونرى الجمالَ تعددتْ ألوانـــُـــــه وتوحَّـــدتْ في طرفكِ الفتـَّـــــــاك ِ

... ذكراكِ باقيةٌ على طولِ المدى مهما أُحــــــــــــــاولُ لا أرى إلاك ِ


و من ذكرياته الماضية القوية الباقية في قراءاته التي يشركنا معه فيها ، و التي تحلِّق بأنفاسه بعيدا على الرغم منه ، و تبدي تعلقه بالأوقات التي قضاها سعيدا لدى ديار الهوى، و تختزنها الذاكرة التي قال فيها أوسكار وايلد إنها " مذكرات جميعا نحملها معا" ، قوله (21) :

جلستُ عندك يا دارَ الهوى ثملاً أراقبُ الحسنَ رياناً و ميَّاســـــا
و أرسلٌ الطرفَ في أبهى روائعِه فيخفقُ القلبُ إشفاقاً و إحساسا
أما كفاهُ خُفوقا في ملاعبــــــــــه حتي يُجرَّعَ كاساً تُسْكِر الناســا
و تُورِدُ الحتفَ من يُمسي بعاقرُها و يَفقِد الحسَّ من لم يشرب ِالكاسا
...إني تذوقتًها في الوصل سائغةً و في الصدودِ تباريحاَ ووَسواسا

و هاهو يكابد الشوق تَعِساً ، يتوق لرؤية محبوبةٍ عالقة ٍفي مشاعره ، كبيرةٍ في ماضيه ، توارتْ عن العيون ، باذلاً جهداً ، طارقا سبلاً دون أن تذبُلَ متابعته ، و مع ذلك لازمه صوت الإحباط حيثما توجه و قد حار في أمره و هو يشكو همه ، و كان البعد أكثر إيلاما من القرب ، فقال(22):

نـاغَــيـتـُهــا زمــنــاً ولــــوْ عَــلِمــتْ شَــوقـــي لِـرُؤيـتـــــهــا لَـمـا اسْـتـتــرتْ
كُلُّ الدروبِ طرقتــــــــــــــُها ومَضى ، يـومـي وليـلـي والــرُؤى حُـشِــــد تْ
وسَــألــت جِِـيـرتَهَــا و بـي وَلَــــــــهٌ أنْ يُـكْـرمَـونــي بــالَّــتــي كَـرُمَــــــت
لـكـنَّهُــمْ خـــانوا ومـا يَــئِـسَـــــــــــــتْ نفـسٌ بغيـرِ الحُـــــــــبِّ مـا رضِيَــــتْ ..سَـدُّوا مـسـالـك سمْـعِـــــــــهـا حســداً، عنْ شاعرٍ يشـــــــــــــــــدو فمـا سمِعَـتْ
لــو كــان يبـلـغُ سمْـعَـهـا غَـزَلـــــي، َهتفـتْ ، وغنَّـتْ، والربي رقَـصَــــــــــتْ
...كُـلّ الـمـنـــــاهـل بـعـدهـا أَسِــنَـتْ والعَيْـشُ غَـاضَ وشمْسُـهُ اَفَلَـــــــــــتْ

و يتحدث المحجوب عن هوى انتقل به إلى نسل آخر كما فعل التجاني يوسف بشير في قوله :و هو شاب عزب في قوله:
آمنت بالحسن بردا و بالصبابـــــــة نارا
... و بالمسيح و من طاف حوله و استجارى
إيمان من يعبد الحسن في عيون النصارى

و كثيرون قديما و حديثا - و قعوا في مثل هذا الهوى ، و ذاقوا العذابات في جحيم الحب ، و هو بمنزلة ذبذبات إنسانية لا تعرف الحدود ، يقول المحجوب في هذا الشأن (23):


أهاربةُ من دَيرِ عيسى ترفَّقـــي بقلبٍ خفوقٍ لا يبيتُ علــــــــى حِـقدِ
فقالتْ معاذ الله أن يعرفَ الهوى فوارقَ دين ٍ أو مريرا من السـَُـــــهدِ
تدلَّتْ و حطتْ مثل طيرٍ مـــرَّوع ٍ على صدريَ الحاني فشبََ من الوقـَد ِ
فقبلتُها عشرا ، و ما زلتُ ظامئًا الى موردٍ عذب ٍ ألــذ َّ من الشَّــــــهد ِ
تمنيتُ لو أني على الخدِّ قبــــــلةٌ يغار لها ثغــــرُ الحبيب ِمـــــــن الخدِ
فلا الفجرُ يمحوها و لا الليلُ قادرٌ فتلك لعمري قبلةُ العمرِ و الخلــــــــد ِ


و العدد " عشر " هو الرقم الشائع بين المحبين و العشاق في هذا الشأن و هذا من باب المجاراة أو المبالغة أو المفاخرة.
و يمضي مركب الحب يتواصل مع العشاق ، فالحب لا يقدر بثمن ، إلا أن المحجوب أحيانا يرتطم بمعوقات ينفطر معها فؤاده ، و ينشغل فكره ، و تتكسر معه أجنحته ، و تتعثر خطاه ، و ينهار بنيانه ، فيؤثر فيه مصابه ، و مع ذلك يَعـِد بالوفاء لحبٍ من طرف واحد ، يبقى أسيرا له ، محتفظا بذكراه ، منحنيا أمامه، صامتا عن شرقيته أو غربيته احتراما له و لها ، فالمحبة قائمة رغم ألغام الجفاء و البعد ، و نلمح بعض ذلك في قصيدة " أحلى الحب " حيث قال (24):

ما خان عهدَك قلبي و لا عمُرتْ بغير حبَِك ِيا روحي حنــــاياهُ
...إني سابقى على حبي و إن بعدتْ دارُ الحبيب ِو لم أظفرْ بلقيـاهُ
و إن تغرَّبَ عني صنتُ ســيرتَه و رحتُ اَلثم في سرِّي ثنايـاهُ
...عشنا على الدهر عُبَّاداً لطلـــعتِه لا كانت الدنيا إذا كٌنا قلينــــاهُ
إنْ خان عهدَ الهوى مَن كان يجهلُهُ إنا سنحفظ للمحبوبِ ذكــــراهُ
و لن نبوحَ فان البوحَ يفضحـُـــهُ و لن نضيقَ فأحلى الحبِّ أشقاهُ

و رحلة المحجوب تحت ظلال الحب تطول ، و كلما تعمق فيه وجده يقود زمامه حينا ، و يفقده السيطرة حينا آخر ، و لكنه من خلال أسفاره الطويلة يتعاقب الليل و النهار ، و تتدفق أنهار الجمال أمام عينيه ، فيلهمه الارتباط العاطفي، و تجربة

المشاعر العميقة، و الدفء ، و الرغبة صوتاً تعزف أوتاره للحب عيدا، أو فلنقل ترنيمة ترسل لحنا مخمليا لروح العشاق صادرة من خبير بفن العاشقين ، و بذلك تٌذهب عنهم الضيق و الكرب، يقول ( 25) :76
كلّ عام ٍفيه للأقوام عيدْ فيه سحرٌ و جلالٌلا يحـــــدُّ
فحبيبٌ عن حبيب ٍلا يحيدْ و غرامٌ سوف لا يفنيه صدُّ
غيرَ أني في حياتي ذو شجونْ
...
كان للحب صلاتي و السجودْ في حنايا الليل و الناس هجودْ
فتناجينا فما يدري الوجودْ أي قلبٍ كان بالدمع يجـــــــودْ
ذلك السر عميق و دفينْ
...
قدمَ العهدُ و لم تبقَ سوى هذه الذكرى لماضينا السعيدْ
كل عـــــــــام أتاسَّى و أرى أن ذِكْرَ الحبِّ للعشاق عيـــدْ
فأصلي رحمةً للعاشقينْ


و يمضي المحجوب مع شعائر رومانسيته و هي محور ذاته ، و يطير معها هنا و هناك ، و يسير في طريقه ماداً جسور الوصل فيعبر الى ذروة الرومانسية في قصيدة " فلسفة القبل " إدراكا منه أن الشفاه هي الأكثر حساسية ، و الأقدر على تعزيز الترابط بما يرسل اللسان من معلومات الى الدماغ كما أثبتت الدراسات الحديثة ( Susan M. Hughes of Albright College) ، و سبقها المحجوب حين قال و قد حاز الرضا : (26):

قالــتْ وقــد أمعنــتُ في تقبيلهــا مــاذا بِربــّك تنفــعُ القُبُــلآتُ

أوَ تطفِئُ الشــوقَ القديــمَِ لِتُبتَـــلى بالشــوقِ تُلهــِبُ نــَارَهُ الحَسـَراتُ

يَا للرِّجــَالِ قُلُوبُهُـــمْ وعُقُولُهـــم ذَهَبــتْ بِهــَا الأَهــواءُ واللّــــذَّاتُ

فَأجَبْتُهــَا بِاللّثْــمِ غَــيرَ تــَردُدٍ أَفــلا تُجِيـبُ سُؤاَلَهـــَا اللّثَمــــــاتُ


و يخرج المحجوب عن النمطية المعهودة ، فيجعل للشفاه لغة ، و للقبلات سر ، و العارفون ببواطن الأمور يدركون - بلسان الحال أنها في السياق الدلالي - حين تتنوع تعبر عن الألفة و المحبة ـ ها هو يقول في مجاهرة طروب في القصيدة نفسها :


لُغَةُ الشّفاهِ الصّامِتاتِ بليغةٌ فيها جَمالٌ ساحرٌ و عِظَاتُ

والْعارِفونَ بِسِرّهَا آيَاتُهُمُْ قبَلٌ تُمازِجُ بَعْضَهَا الآهَاتُ

إني أُنوّعُهَا وَ أُلْهِبُ نَارَهَا لأُريـِكِ أنّ الحُبّ فِيه ِ ثـِقَاة
ُ

أماني

و نمضي الأيام بالمحجوب منتصرا و مخفِقا و مخذولا في حياته الخاصة و العامة ، و في كل الأحوال كان يقدم - من خلال أدائه في السياسة و الأدب و المجتمع - منعطفات ٍ مدفونة لم تصل إلينا ، و مع كل ما أنجز ، كان يخشى التقدم في
العمر ، و يرهب التغير و علاماته ، و يخاف غبار الأيام ، و من وحي هذا الشعور قال بقوةِ حبِّ الحياة و الخيال حين شاهد الجليد في الشتاء يجلل جبال الألب ، عند عبوره بها ، فتمثله شيبا على هاماتها أشبه ما يكون بشيب الشيوخ الذين خاضوا
معارك الحياة ، غير أن شيبها ، كما يقول ، سيزول عندما يذوب الجليد و يتلاشى ، أما هو فسيبقى الشيب يغطي رأسه ، يقول في قصيدة ربيع الحياة (27):

شاهقاتُ الجبالِ في الأفق سَكْرى صاعداتٍ مع الشعاع شُعاعــا
كَلّلَ الثلجُ هامَـــها فتراءتْ كشيوخٍ خاضوا الزمانَ صِراعا
ليت شيبي كشيبها مَوســـمي يرفعُ الصيفُ عن صباه القناعا
ويُشيع الربيعُ فيـــه جمـالاً عبقرياً ، مُنَسَّقاً ، مِمْراعا
ثم يقول بعد أن تصفح أوراقه متحققاً من أن شبابه يقارب الانتهاء :
لو يُصيخُ الزمانُ ساعةَ شَدْوي، عاد شوقا ً أدراجَه وأطاعا
غير أن الزمانَ يمضي سريعاً عابراً بي سُدودَه والقِـلاعا
ياربيعَ الحياةِ قِفْ بي تمهَّلْ أنا ، والله ، لا أُطيقُ وداعا
و يضيف متلذذا بذكريات شبابه في عالم الجمال والإبداع حيث كان يرفرف عاليا مع طيور الأيْكِ و بينها ، و يجني الرحيق من الشفاه ، يقول :

قد قضيتُ الشبابَ أشدو مع الطيـــــرِ طليقاً ، أرتِّلُ الأسجاعا
...مرتعي رفرفٌ من الأيكِ يجري تحته الماءُ سلسلاً دفّاعا
كم رشفتُ الرحيقَ من كلِّ ثغــرِ، أجَّجَ القلبَ حرقةً والتياعا
ياربيعَ الحياةِ قِفْ بي تمهَّلْ أنا ، والله ، لا أُطيقُ وداعا

و هكذا يبدو المحجوب كما عرفته من خلال ديوانه " قلب و تجارب " ، سياسيا و أديبا و شاعرا عرفتْه المحافلُ المحلية و الدولية على أوسع نطاق ، و يذكِّرنا دائما بابن زيدون الأندلسي المعروف بذي الوزارتين و بثقافته الواسعة و شعره ، كما يذكرنا بأهل العشق و الغزل من أمثال مجنون ليلى و جميل بثينة و عمر بن أبي ربيعة ، و سيبقى هو كما قال عن نفسه(28) :


لا تلمْه فما تعود صمتـــــا أو توارى عن العيون ِ ازورارا
شاعرٌ فجَّر الرياضَ غناءً و الروابي أثارهُنَّ و ثــــــــارا
سار في مَهْمَهِ الحياةِ مُجِدِّاً في ظلام الوجود ِ يهدي الحيارا
باسطاً كفَّهُ لغيرٍ ســؤال ٍ ، بل لِمَسْح ِ الدموع ِ تَهْمى غزارا
...فهو مثل الطيور يشدو طليقا و يعاف القيود يابى الإسارا

إبراهيم التكينة
كلية اللغات و الترجمة-
جامعة نايف العربية للدراسات الأمنية
الرياض- المملكة العربية السعودية




الهوامش :

* هناك من يؤرخ لميلاده بسنة 1910 ،
(1) المجهرالسياسي ، حوار أجراه صلاح حبيب مع الأستاذ دفع الله الحاج يوسف وزير التربية الأسبق ورئيس القضاء إبان الحكم المايوي والمدير العام لمجموعة شركات المرحوم خليل عثمان، والمحامي حالياً ، الرابط http://almeghar.com/permalink/16235.html و معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر و العشرين ، الرابط
http://www.almoajam.org/poet_details.phpid=5453 و انظر المعرفة ، الرابط http://www.marefa.org/index. لمزيد من التفاصيل .
(2) قلب و تجارب ، ص 20
(3) قلب و تجارب ، ص 21

(4) قلب و تجارب ، ص 8
(5) قلب و تجارب ،ص 15
(6) قلب و تجارب ، ص 19
(7) قلب و تجارب ، ص33
(8) انظر الرابط http://users.dickinson.edu/~nicholsa...wordsworth.htm
(9) انظر الرابط http://www.fobyaa.com/p
(10) قلب و تجارب ، ص 142
(11) قلب و تجارب ، ص 143-44
(12) قلب و تجارب ، ص 37
(13)قلب و تحارب ، ص 149
(14) الرابط" "http://www.epda3.net/iv/clip-576.html
(15) قلب و تجارب ، ص152
(16) (7/1998-1936) من رواد الحركة الوطنية و مؤسسي جمعية اللواء الأبيض و صاحب مجلة الفجر
(17) قلب و تجارب ، ص 156
(18) قلب و تجارب ، ص 169
(19) قلب و تجارب ، ص 17
(20)قلب و تجارب ، ص 46
(21) قلب و تجارب ، ص 50
(22) قلب و تجارب ، ص54
(23) قلب و تجارب ، صص59-61
(24) قلب و تجارب ، ص 56
(25) قلب و تجارب ، ص 76
(26) قلب و تجارب ، ص 84
(27) قلب و تجارب ، ص 5
(28) قلب و تجارب ، ص 31

المراجع : المحجوب ، محمد أحمد ، قلب و تجارب ، منشورات دار مكتبة الحياة،
بيروت ، لبنان ( بدون تاريخ).


image

بواسطة : admin
 0  0  704
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو / 07:37 الجمعة 22 سبتمبر 2017.